فخرج رسول كسرى حتى ورد على صاحب الجيش ببلاد الشام ، فأوصل الكتاب الأول إليه ، فلما قرأه قال: إما أن يكون كسرى قد تغير لي وكره موضعي ، أو يكون قد اختلط عقله بصرف مثلي وأنا في نحر العدو ، فدعا أصحابه وقرأ عليهم الكتاب فأنكروه ، فلما كان بعد ثلاثة أيام أوصل إليه الكتاب الثاني بالمقام ، وأوهمه أن رسولاً ورد به ، فلما قرأه قال: هذا تخليط ولم يقع منه موقعاً ، ودس إلى ملك الروم من ناظره في إيقاع صلح بينهما على أن يخلي الطريق لملك الروم حتى يدخل بلاد العراق على غرة من كسرى ، وعلى أن لملك الروم ما يغلب عليه من دون العراق ، وللفارسي ما وراء ذلك إلى بلاد فارس ، فأجابه ملك الروم إلى ذلك وتنحى الفارسي عنه في ناحية من الجزيرة ، وأخذ أفواه الطرق ، فلم يعلم كسرى حتى ورد خبر ملك الروم عليه من ناحية قرقيسيا وكسرى غير معد وجنده متفرق في أعماله ، فوثب من سريره مع قراءة الخبر وقال: هذا وقت حيلة ، لا وقت شدة ، وجعل ينكت في الأرض ملياً ، ثم دعا برقّ وكتب فيه كتاباً صغيراً بخط دقيق إلى صاحبه بالجزيرة يقول فيه: قد علمت ما كنت أمرتك به من مواصلة صاحب الروم وإطماعه في نفسك وتخلية الطريق له حتى إذا تولج في بلادنا أخذته من أمامه ، وأخذته أنت ومن ندبناه لذلك من خلفه ، فيكون ذلك بواره ، وقد تم في هذا الوقت ما دبرناه ، وميعادك في الإيقاع به يوم كذا وكذا ، ثم دعا راهباً كان في دير بجانب مدينته وقال: أيّ جار كنت لك؟ قال: أفضل جار ، قال: فقد بدت لنا إليك حاجة ، فقال الراهب: الملك أجلّ من أن يكون له حاجة إلى مثلي ، ولكن عندي بذل نفسي في الذي يأمر به الملك ، قال كسرى: تحمل لي كتاباً إلى فلان صاحبي - وقال ابن الفرات: إلى الأصبهبذ - ولا تطلعن على ذلك أحداً.