وذكر هنا الإيمان فقال {لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ ...} [الروم: 45] ثم {وَعَمِلُواْ الصالحات ...} [الروم: 45] حتى لا يظن أحد أن العمل الصالح ربما يُغني عن الإيمان . وهذه مسألة شغلتْ كثيراً من الفلاسفة ، يقولون: كيف أن الرجل الكافر الذي يعمل الصالحات لا يُجازى عليها؟
نقول له: أُجر ويُجازى على عمله الصالح لكن في الدنيا ؛ لأنه لم يعمل لله ، بل عمل للشهرة وللصيت ، وقد أخذ منها تكريماً وشهوة وتخليداً لِذكْراه وأقيمت لهم التماثيل . . إلخ ، أما جزاء الآخرة فلمَنْ عمل العمل لوجه الله خالصاً .
والقرآن يُنبِّهنا إلى هذه المسألة يقول: إياكم أنْ تُغَشُّوا بمن يعمل الأعمال للدنيا: {وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} [الفرقان: 23] .
وجاء في الحديث:"فعلتَ ليُقال وقد قيل"نعم بنيت مسجداً ، لكن كتبت عليه: بناه فلان ، وشرَّف الافتتاح فلان . . الخ فماذا تنتظر بعد ذلك ، إن ربك يريد العمل الخالص لوجهه تعالى ، كما جاء في الحديث"ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما فعلت يمينه".
فقوله تعالى: {لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ ...} [الروم: 45] يدل على أن العمل الصالح إنْ كان صالحاً بحقٍّ يفيد صاحبه في الدنيا ، لكن لا يفيده في الآخرة إلا أن يكون صادراً عن إيمان بالله ، ثم يربط الإيمان بالعمل الصالح حيث لا يغني أحدهما عن الآخر .
وقوله تعالى: {مِن فَضْلِهِ ...} [الروم: 45] أي: تفضُّلاً من الله ، حتى لا ينخدع أحد بعمله ، ويظن أنه نجا به ، وهذه المسألة موضع نقاش بين العلماء يقولون: مرة يقول القرآن {مِن فَضْلِهِ ...} [الروم: 45] ومرة يقول: {ادخلوا الجنة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] أي: أنها حق لكم بما قدَّمتم من عمل ، فهل الجنة حق للمؤمنين أم فضل من الله؟