لكن القرآن لم يَأْت بهذا المقابل ، إنما عَدَل إلى مسألة أخرى: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44] فلماذا؟ قالوا: لأن فائدة الإيمان أن تعتقد بوجود إله قادر واحد هو الله فتؤمن به ، فإذا ما أمرك تطيع ، فعِلَّة الإيمان التكليف ؛ لذلك حين تبحث أيَّ تكليف إياك أنْ تنظر إلى عِلَّته فتقول: كلفني بكذا لكذا ، فعِلَّة التكليف وحكمته عنده تعالى .
فإذا قلنا مثلاً: حكمة الصيام أنْ يشعر الغنيُّ ويذوق ألم الجزع فيعطف على الفقير ، فهل يعني هذا أن الفقير المعدَم لا يصوم؟ إذن: ليست هذه حكمة الصيام ، والأصوب أنْ تقول: أصوم ؛ لأن الله أراد مني أن أصوم ، وحكمة الصيام عنده هو .
ومثَّلنا لذلك ولله تعالى المثل الأعلى: أنت حين تشكو مرضاً أو ألماً تسأل عن الطبيب الماهر والمتخصص حتى تنتهي إليه ، وعندها تنتهي مهمة عقلك ، فتضع نفسك بين يديه يفحصك ويُشخِّص مرضك ، ويكتب لك الدواء ، فلا تعارضه في شيء ، ولا تسأله لماذا كتب هذا الدواء .
فإذا سألك زائر مثلاً: لماذا تأخذ هذا الدواء؟ لا تقول: لأن من خصائصه كذا ، ومن تفاعلاته كذا ، إنما تقول: لأن الطبيب وصفه لي ، مع أن الطبيب بشر قد يخطئ ، وقد يكتب لك دواءً ، أو يعطيك حقنة ترديك ، ومع ذلك تُسلِّم له بما يراه مناسباً لك ، فإذا كنت لا تناقش الطبيب وهو خطأ ، فكيف تناقش الله فيما فرضه عليك وتطلب علَّة لكل شيء؟
ولا يناقش في عِلَل الأشياء إلا المساوي ، فلا يناقش الطبيبَ إلى طبيبٌ مثله ، كذلك يجب أنْ نُسلِّم لله تعالى بعلل الأشياء وحكمتها إلى أنْ يوجد مُسَاوٍ له سبحانه يمكن أنْ يناقشه .