كل ذلك إنما يعني أنني أقوِّي مركزك ، ولن أتخلى عنك ، وما دام الأمر كذلك فإياك أن يُؤثِّر فيك مكرهم أو تركن إلى أحد منهم ممَّنْ قالوا لك: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة ، لكن يقول الحق سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ القيم ...} .
قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ القيم ...} [الروم: 43] يعني اطمئن يا محمد ، وتفرغ لعبادة الله لأنني وعدتُك بالنصر ، وأجبتُك حين قُلْت:"اللهم اشْدُدْ وطأتك على مُضَر ، واجعلها عليهم سنين كسنيِّ يوسف". {فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77] يعني: مَنْ لم تَنَلْهُ عقوبة الدنيا نالته عقوبة الآخرة .
وقال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ ...} [الروم: 43] لأن الوجه محلُّ التكريم ، وسيد الكائن الإنساني ، وموضع العزة فيه ، بدليل أن السجود والضراعة لله تعالى تكون بوضع هذا الوجه على الأرض ؛ لذلك حين ترسل شخصاً برسالة أو تُكلِّفه أمراً يقضيه برِجْله ، أو بيده ، أو بلسانه ، أو بأيِّ جارحة من جوارحه تقول له: أرجو أنْ تُبيِّض وجهي ؛ لأن الوجه هو السيد .
ومن ذلك قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ...} [القصص: 88] لأنك لا تعرف سمة الناس إلا بوجوههم ، ومَنْ أراد أنْ يتنكر أو يُخفي شخصيته يستر مجرد عينيه ، فما بالك إنْ ستر كل وجهه ، وأنت لا تعرف الشخص من قفاه ، ولا من كتفه ، ولا من رجله ، إنما تعرفه بوجهه ، ويقولون: فلان وجيه القوم ، أو له وجاهته في القوم ، كلها من ناحية الوجه .
وما دام قد خصَّ الوجه ، وهو أشرف شيء فيك ، فكُلُّ الجوارح مقصودة من باب أَوْلَى فهي تابعة للوجه ، فالمعنى: أقِم يدك فيما أمرك الله أن تفعل ورجلك فيما أمرك الله أنْ تسعى ، وقلبك فيما أمرك الله أن تشغل به ، وعينك فيما أمرك الله أن تنظر فيه . . الخ .