والحق سبحانه ساعة يقول {ظَهَرَ الفساد ...} [الروم: 41] أي: على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُبيِّن لنا أن الرسل إنما جاءوا لإنقاذ البشرية من هذا الفساد ، لكن ما دام الأمر عُلِّل فالأمر يدور مع العلة وجوداً وعدماً ، فكلما ظهر الفساد حلَّتْ العقوبة ، فخذوها في الكون آية من آيات الله إلى قيام الساعة .
فظهر الفساد قديماً {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40]
لكن هذا الأخْذ كان قبل سيدنا رسول الله في الأمم السابقة ، وكان هلاك استئصال ؛ لأن الرسل السابقين لم يُكلَّفوا بالمحاربة لأجل نَشْر دعوتهم ، فما عليهم إلا نشر الدين وتبليغه ، مع التأييد بالمعجزات ، فإنْ تأبَّى عليهم أقوامهم تولَّى الحق سبحانه عقابهم ، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أكرمهم الله بألاَّ يعاقبها بعذاب الاستئصال . {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] .
ثم سيظهر الفساد حديثاً وسيحدث العقاب . إذن: ليست الأمة الإسلامية بِدَعاً في هذه المسألة .
ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ... .} .
السير: الانتقال من حيز مكاني إلى حيز آخر ، وسبق أنْ قلنا: إن النظرة السطحية في ظاهر الأمر أن السير يكون على الأرض لا فيها ؛ لأننا نسكن على الأرض لا فيها ، لكن الحق سبحانه يُبصرنا بقوله: {قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ...} [الروم: 42] أن الأرض ليست هي اليابسة والماء على سطح الكرة الأرضية ، أما الأرض فتشمل غلافها الجوي لذلك يدور معها وهو إكسير الحياة فيها ؛ فلا حياة لها إلا به .