لذلك لما تكلم سيدنا إبراهيم عن الأصنام قال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ ...} [الشعراء: 77] أي: أنتم وما تعبدون من دون الله ؛ لأنهم كانوا يشركون آلهتهم مع الله ، فالله سبحانه داخل في هذه الشركة ؛ لذلك استثناه ربه {إِلاَّ رَبَّ العالمين * الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 77 - 78] .
وتلحظ هنا في قوله {الذي خَلَقَنِي ...} [الشعراء: 78] أنه لم يؤكدها بشيء ، ولم يذكر قبل الخَلْق الضمير (هو) ؛ لأن مسألة الخَلْق كما قُلْنا لم يدَّعها أحد ، أمّا في الهداية وهي مجال ادعاء ، فقال (فهو) أي: الحق سبحانه يقصر الهداية على الله {فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78] .
وفي هذا إشارة إلى أن القانون الذي يُنظم حياتي والمنهج الذي يهديني قانون ربي لا آخذه من أحد سواه ، وكثيراً ما نرى مَنْ يدَّعي الهداية ويقول: إنني وضعتُ قانوناً يُسعِد حياة الناس ، ويفعل كذا وكذا ، سمعنا هذه النغمة مرة من الرأسمالية ، ومرة من الاشتراكية ، ومن الشيوعية . . الخ .
إذن: هذا مجال ادعاء واسع ، فقيَّده إبراهيم - عليه السلام - وقصره على الله ، حيث لا منهجَ إلا منهجُ الله ، ولا قانونَ يحكمنا إلا قانون ربنا ، كما نقول في العامية (مفيش إلا هو) .
كذلك في مسألة الإطعام قال: {والذي هُوَ يُطْعِمُنِي ...} [الشعراء: 79] فاستخدم القصر هنا بذكر الاسم الموصول (الذي) ثم الضمير المفرد الغائب (هو) ؛ ليؤكد أن الذي يطعمه إنما هو الله ؛ لأن الإنسان قد يظن أن أباه هو الذي يطعمه ، أو أن أمه هي التي تُطعمه ؛ لأنها تُعِد له طعامه ، فهما السببان الظاهران في هذه المسألة ، فاحتاج الأمر إلى أكثر من مؤكد .