أما مَنْ يترك العمل خوفاً من الوقوع في الرياء ، فيمتنع عن الزكاة مثلاً ، خَوْفَ أن يُتَّهم بالرياء ، فهو والعياذ بالله مشرك ، لأن الناس ينتفعون بالعمل حتى وإنْ كان رياءً ، لكن إنِ امتنعتَ عن العمل فلا ينتفع الناس منك بشيء .
فالمعنى: {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين} [الروم: 31] أي: الشرك الخفي وهو الرياء ؛ لذلك رأينا سيدنا رسول الله وهو الأسوة للأمة الإيمانية يدعو ربه ويقول
"اللهم إنِّي أستغفرك من كل عمل أردتُ به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك".
فالعمل الإيماني ما كان لله خالصاً ، وعلى قَدْر الإخلاص يكون الجزاء ، فمن الناس مَنْ يفعل الصلاح فيوافق شيئاً في نفسه ، كأن يساعده على استقامة الحياة أو على التوفير في النفقات أو غير ذلك ؛ فيستمر عليه ، لا لله إنما لمصلحته هو .
وفي هؤلاء يقول تعالى: {وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ خَسِرَ الدنيا والآخرة ذلك هُوَ الخسران المبين} [الحج: 11] .
وكالتاجر الذي يلتزم الصدق في تجارته ، لا حباً في الصدق ذاته ، إنما طمعاً في الشهرة والصِّيت وكَسْب المزيد من الزبائن ، ومثل هؤلاء ينالون من الدنيا على قَدْر سعيهم لها ، ولا يحرمهم اللهُ ثمرةَ مجهوداتهم ، كما قال سبحانه: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20] .
فما أشبه الناس في نياتهم من الأعمال بركْب يقصدون وجهة واحدة ، لكن لكل منهم غاية يسعى إليها ، فهذا يسعى للطعام أو أكلة شهية ، وهذا يسعى لامرأة جميلة ، وهذا يسعى لدرْس علم ينتفع به ، وآخر يسعى لرؤية مَنْ يحب ، وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: