وإنْ أقبلتَ على الله أعطاك من الفُيوضات ما يُعوِّضك مكاسب الدنيا وتجارتها ، إنْ تركتها لإجابة النداء ؛ لذلك كان شعار الأذان الذي ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم (الله أكبر) أي: أكبر من أيِّ شيء غيره ، فإنْ كنتَ في نوم ، فالله أكبر من النوم ، وإنْ كنتَ في تجارة ، فالله أكبر من التجارة ، وإنْ كنتَ في عمل فالله أكبر من العمل . . إلخ .
وعجيب أن نرى مَنْ يُقدِّم العمل على الصلاة بحجة امتداد الوقت ، وإمكانية الصلاة بعد انتهاء العمل ، وهذه حجة واهية ؛ لأن ربك حين يناديك (الله أكبر) يريد أن تستجيب على الفور لا على التراخي ، وإلا كيف تسمى الاستجابة للنداء إذا تأخرت عن وقتها؟ فطول الوقت خاصة بين الصبح والظهر وبين العشاء والصبح لا يعني أنْ تصلي في طول هذا الوقت ؛ لأن النداء يقتضي الإسراع والاستجابة .
ولنا ملحظ في (الله أكبر) فأكبر أفعل تفضيل تدلُّ على المبالغة ودون أكبر نقول: كبير ، وكأنها إشارة إلى أن العمل والسعي ليس شيئاً هيناً أو تافهاً ، إنماهو كبير ، ينبغي الاهتمام به ؛ لأنه عَصَب الحياة ، ولا تستقيم الأمور في عمارة الأرض إلا به .
لكن ، إنْ كان العمل كبيراً فالله أكبر ، فربُّك عز وجل لا يُزهِّدك في العمل ، ولا يُزهِّدك في الدنيا ؛ لأنه خالقها على هذه الصورة وجاعل للعمل فيها دوراً ، وإنْ شئتَ فاقرأ: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله} [الجمعة: 10] .
وقال في موضع آخر: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا} [القصص: 77] لأن حركة الحياة هي التي تُعينك على أداء الصلاة وعلى عبادة الله ، فبها تقتات ، وبها تتقوَّى ، وبها تستر عورتك ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . ومع هذا فدعوة الله لك أَوْلَى بالتقديم ، وأَوْلَى بالإجابة ؛ لأن الذي خلقك وخلقها ناداك (الله أكبر) .