ومن اللطائف أن الفرزدق أنشد عند سليمان بن عبد الملك قوله:
فبِتْن بجانبيَّ مصرَّعاتٍ...
وبتُّ أفضّ أغلاق الختام
فقال سليمان: قد وجب عليك الحد.
فقال: يا أمير المؤمنين قد دَرَأ الله عَني الحد بقوله: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} .
وروي أن النعمان بن عدي بن نضلة كان عاملاً لعمر بن الخطاب فقال شعراً:
مَن مُبلِغُ الحسناءِ أن حليلها...
بميسان يُسقى في زُجاج وحنتم
إلى أن قال:
لعل أميرَ المؤمنين يسوءه...
تنادُمُنا بالجَوْسَققِ المتهدم
فبلغ ذلك عمرَ فأرسل إليه بالقُدوم عليه وقال له: أي والله إني ليسوءني ذلك وقد وجب عليك الحدّ ، فقال: يا أمير المؤمنين ما فعلتُ شيئاً مما قلتُ وإنما كان فضلةً من القول ، وقد قال الله تعالى: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} فقال له عمر: أمّا عذرك فقد درأ عنك الحد ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً وقد قلتَ ما قلت.
وقد كُني باتباع الغاوين إياهم عن كونهم غاوين ، وأفيد بتفظيع تمثيلهم بالإبل الهائمة تشويه حالتهم ، وأن ذلك من أجل الشعر كما يؤذن به إناطة الخبر بالمشتق ، فاقتضى ذلك أن الشعر منظور إليه في الدين بعين الغضّ منه ، واستثناء {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الخ...
من عموم الشعراء ، أي من حكم ذمّهم.
وبهذا الاستثناء تعيّن أن المذمومين هم شعراء المشركين الذين شغلهم الشعر عن سماع القرآن والدخول في الإسلام.
ومعنى: {وذكروا الله كثيراً} إي كان إقبالهم على القرآن والعبادة أكثر من إقبالهم على الشعر.
{وانتصروا من بعد ما ظلموا} وهم مَن أسلموا من الشعراء وقالوا الشعر في هجاء المشركين والانتصارِ للنبيء صلى الله عليه وسلم مثل الذين أسلموا وهاجروا إلى الحبشة ، فقد قالوا شعراً كثيراً في ذم المشركين.