ثم بيّن سبحانه قبائح شعراء الباطل ، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ} ، والجملة مقرّرة لما قبلها ، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية ، يقال: هام يهيم هيماً ، وهيماناً: إذا ذهب على وجهه أي ألم تر أنهم في كل فنّ من فنون الكذب يخوضون ، وفي كل شعب من شعاب الزور يتكلمون؟ فتارة يمزّقون الأعراض بالهجاء ، وتارة يأتون من المجون بكل ما يمجه السمع ، ويستقبحه العقل ، وتارة يخوضون في بحر السفاهة والوقاحة ، ويذمون الحق ، ويمدحون الباطل ، ويرغبون في فعل المحرّمات ، ويدعون الناس إلى فعل المنكرات كما تسمعه في أشعارهم من مدح الخمر والزنا واللواط ونحو هذه الرذائل الملعونة ، ثم قال سبحانه: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} أي يقولون فعلنا وفعلنا وهم كذبة في ذلك ، فقد يدلون بكلامهم على الكرم والخير ، ولا يفعلونه ، وقد ينسبون إلى أنفسهم من أفعال الشرّ ما لا يقدرون على فعله كما تجده في كثير من أشعارهم من الدعاوى الكاذبة والزور الخالص المتضمن لقذف المحصنات ، وأنهم فعلوا بهنّ كذا وكذا ، وذلك كذب محض ، وافتراء بحت.