{قُرَّةَ أَعْيُنٍ} : من القرّ - بالضم - وهو: البرد، كناية عن السرور؛ لأنهم يقولون: دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن ساخنة، وقيل: من القرار، لأن السرور تقر به العين وتسكن، والحزن يضطرب له النظر ويزيغ، ولفظ: (الأَعين) استعمل في القرآن كله في العين الباصرة، ولفظ: (عيون) استعمل في العين الجارية. (إمَامًا) : قدوة يقتدون بنا في إِقامة مراسم الدين، ولفظ: (إِمام) يستعمل في المفرد والجمع، وهو في هذا المقام يراد به الجمع، وروى عن مجاهد أَن: (إمَامًا) : جمع آم، بمعنى قاصد، كصيام جمع صائم، وكذلك ذكر القاموس.
التفسير
74 - {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ... } الآية.
هذه الآية انتقال من أَوصاف عباد الرحمن في أَنفسهم إِلى أَمانيهم فيمن يحبونهم، ويرتبطون بهم.
والمعنى: أَن من صفات عباد الرحمن أَلاَّ ينسوا وهم في شغلهم من عبادة الله، والانهماك في طاعته، لا ينسون أَهلهم، وأَولادهم، يتوجهون إِلى الله بالدعاءِ لهم، وطلب هدايتهم - وهذا شأْن الصالحين من الآباء، بل إِن من الآباءِ من يقدم ولده على نفسه، ويؤثره بالخير له، وخير الآخرة عند الصالحين أَفضل ما يرجى للأَهل، والأَولاد، لأَنه الأَبقى، وإِن المؤمن إِذا ساعده أَهله وولده في طاعة الله؛ اشتد سرور قلبه، وقرت عينه، لما يشاهده منهم من مشاركتهم في مناهج الدين، وتوقع لحوقهم به في نعيم الآخرة، طمعا في عِدَةِ الله تعالى بقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} وقد ذكروا أَنه كان في أَول الإِسلام يهتدي الأَب والابن كافر، ويهتدي الزوج والزوجة كافرة، فلا يطيب عيش ذلك المهتدى، فكانوا يدعون هذا الدعاء.
ولهذا كان من الصفات التي امتدح الله بها عباده أَنهم يتجهون إِليه بالدعاءِ لصلاح أَزواجهم وذرياتهم، يقولون: ربنا ارزقنا وهب لنا من أَزواجنا وذرياتنا ما يسرنا وتقر به أَعيننا من توفيقهم للطاعات، واحتيازهم للفضائل التي هي غاية ما نرجوه لصلاح ديننا ودنيانا، أَما زهرة الدنيا وزينتها فلا تغلبنا على أُخرانا.