وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الْمَاءَ إذَا أُزِيلَ بِهِ الْحَدَثُ مُشْبِهٌ لِلْمَاءِ الَّذِي أُزِيلَ بِهِ النَّجَاسَةُ مِنْ حَيْثُ اسْتَبَاحَ
الصَّلَاةَ بِهِمَا فَلَمَّا لَمْ تَجُزْ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الَّذِي أُزِيلَ بِهِ النَّجَاسَةُ كَذَلِكَ مَا أُزِيلَ بِهِ الْحَدَثُ.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ قَدْ أَكْسَبَهُ إضَافَةً سَلَبَهُ بِهَا إطْلَاقَ الِاسْمِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الَّذِي امْتَنَعَ فِيهِ إطْلَاقُ اسْمِ الْمَاءِ بِمُخَالَطَةِ غَيْرِهِ لَهُ ، وَالْمُسْتَعْمَلُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ الْحُكْمِ فِي زَوَالِ الْحَدَثِ أَوْ حُصُولِ قُرْبَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ اسْتَعْمَلَهُ لِلتَّبَرُّدِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ جَوَازَ اسْتِعْمَالِهِ لِلطَّهَارَةِ ، كَذَلِكَ إذَا اسْتَعْمَلَهُ لِلطَّهَارَةِ.
قِيلَ لَهُ: اسْتِعْمَالُهُ لِلتَّبَرُّدِ لَمْ يَمْنَعْ إطْلَاقَ الِاسْمِ فِيهِ ؛ إذْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ ، فَهُوَ كَاسْتِعْمَالِهِ فِي غَسْلِ ثَوْبٍ طَاهِرٍ.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} وَقَوْلِهِ {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} قَالَ: فَذَلِكَ يَقْتَضِي جَوَازَ الْوُضُوءِ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ نَجِسًا وَلَمْ تُجَاوِرْهُ نَجَاسَةٌ وَجَبَ بَقَاؤُهُ عَلَى الْحَالِ الْأُولَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: {طَهُورًا} يَقْتَضِي جَوَازَ التَّطْهِيرِ بِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.