بل اعترف كثير من هؤلاء المتكلفين بأنه لم يستفد من تكلفه وعدم قنوعه مما قنع به السلف الصالح إلا بمجرد الحيرة التي وجد عليها غيره من المتكلفين فقال:
وقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسرحت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم
وها أنا أخبرك عن نفسي وأوضح لك ما وقعت فيه في أمسي فإني في أيام الطلب وعنفوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سموه تارة علم الكلام وتارة علم التوحيد وتارة علم أصول الدين وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة
منهم ورمت الرجوع بفائدة والعودة بعائدة فلم أظفر من ذلك بغير الخيبة والحيرة.
وكان ذلك من الأسباب التي حببت إلي مذهب السلف على أني كنت من قبل ذلك عليه ولكن أردت أن ازداد منه بصيرة وبه شغفاً وقلت عند النظر في تلك المذاهب:
وغاية ما حصلته من مباحثي ... ومن نظري من بعد طول التدبر
هو الوقف ما بين الطريقين حيرة ... فما علم من لم يلق غير التحير
على أنني قد خضت منه غماره ... وما قنعت نفسي بدون التبحر
وأما الكلمة الثانية، وهي: (ليس كمثله شيء) فبها يستفاد نفي المماثلة في كل شيء فيدفع بهذه الآية في وجه المجسمة ويعرف به الكلام عند وصفه سبحانه بالسميع. والبصير، وعند ذكر السمع، والبصر واليد والاستواء ونحو ذلك مما اشتمل عليه القرآن والسنة فيتقرر بذلك الإثبات لتلك الصفات لا على وجه المماثلة والمشابهة للمخلوقات، فيندفع به جانبي الإفراط والتفريط وهما المبالغة في الإثبات، المفضي إلى التجسيم، والمبالغة في النفي، المفضية إلى التعطيل، فيخرج من بين الجانبين، وغلو الطرفين، حقية مذهب السلف الصالح، وهو قولهم بإثبات ما أثبت لنفسه من الصفات على وجه لا يعلمه إلا هو فإنه القائل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) .