تجريد الْكَلَام عن التقدم بالذات أحسن وأولى؛ إذ لو أريد به ما اختاره [مُلَّا خُسْرُو] فلا يخلو
عن بعد وإن صح ولو أريد به ما يتوقف عليه وجوده كما ذهب إليه البعض فهو متقدم
عليه بالزمان وإن أريد ما اصطلح عليه الحكماء كما تعرض له بعض من جرحه وشرحه بلا
طائل، فلا وجه له أصلًا مع أنه يرد عليه الاعتراض بأن كلام الْمُصَنّف يخالف مذهب
الأشاعرة فإنهم لا يثبتون التقدم الذاتي لغير الله تَعَالَى وينفون أن يكون شيء علة شيء
ويقولون باستناد الممكنات إلَى الله تَعَالَى بلا واسطة وقد اعترف به الْمُصَنّف في قوله
تَعَالَى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ) الآية. واعتراض آخر من أن جعل القبلية شاملة للتقدم الذاتي
والزماني جيد لو ساعده اللغة وإن أمكن الْجَوَاب بأن قيل ظرف زمان حَقيقَة واسْتعْمَاله في
الذاتي مجاز بجامع التقدم غايته أنه يلزم الجمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز وهو جائز عند
الْمُصَنّف والكل تكلف يجب صون النظم الجليل عن مثله، ولقد أصاب صاحب الإرشاد
حيث لم يتعرض للتقدم الذاتي بل اكتفى بالزماني حيث قال و (مِنْ) ابتدائية متعلقة بمَحْذُوف
أي كانوا من زمان قبل زمانكم. وقيل خلقكم من قبل خلقكم وأقيم الضَّمير مقامه الخ.
والْمُرَاد بهم من تقدمهم من الأمم السالفة انتهى. وكذا لم يتعرض له بعض المتأخّرين.
قوله: (أو بالزمان) كتقدم السَّمَاوَات والْأَرْض والعناصر وما يتولد منها، فالأولى ما
سلف من الأمم السالفة لأن الَّذينَ من صيغ العقلاء والتعميم إلَى غير العقلاء يحتاج إلَى
التمحل، وأما التَّخْصِيص بغيرهم فلا يعرف له وجه، وفيه تذكير لعظم إنعامه بأن أنعم
عليهم قيل خلقهم بمدة طويلة بخلق ما له مدخل في الْجُمْلَة في وجودهم فإن خلق
الأصول العام عَلَى الفروع وتقديم خلق المخاطبين لأنهم المواجهون بالْعبَادَة فلا جرم أنه
يقتضي التقديم أو خلقهم إنعام لهم بالذات وخلق آبائهم وموادهم إنعام لهم بالواسطة.
قوله: (منصوب مَعْطُوف عَلَى الضَّمير المنصوب في(خلقكم)
احتراز عن توهم عطفه عَلَى الضَّمير المجرور من غير إعادة الجار في فصيح الْكَلَام ولما
فيه من الفصل بنعت الْمُضَاف إليه لكن لا اختلال في الْمَعْنَى إن اعتبر ذلك العطف وقد قرأ
حمزة بجر الأرحام في قَوْله تَعَالَى: (تساءلون به والأرحام) عطفًا عَلَى
الضَّمير المجرور وإن. قال الْمُصَنّف وهو ضعيف وقد وقع هذا العطف في فصيح الكَشَّاف
لأن قراءة حمزة من المتواترات.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: مَعْطُوف عَلَى الضَّمير المنصوب في (خلقكم) فالْمَعْنَى خلقكم وخلق الَّذينَ من قبلكم.