والغيب: المراد به الغيب المطلق يعني: ما غاب عنك وعن غيرك ، فنحن الآن مشهد لمن حضر مجلسنا هذا ، إنما نحن غيب لمن غاب عنه ، وهذا غيْب مُقيد ، ومنه الكهرباء والجاذبية وغيرهما ؛ لأن هذه الأشياء كانت غَيْباً عَمَّنْ قبلنا مع أنها كانت موجودة ، فلما توصلنا إلى مقدماتها ظهرت لنَا وصارت مشهداً ؛ لذلك قال تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ . .} [البقرة: 255] .
فأثبت الإحاطة للناس لكن بشرط مشيئته تعالى ، فإنْ شاء أطلعهم على الغيب ، وأوصلهم إلى معرفته حين يأتي أجل ميلاده وظهوره .
إذن: المعلوم لغيرك وغَيْب عنك ليس غيباً ، وكذلك الغيب عنك وله مقدمات تُوصِّل إليه ليس غيباً ، إنما الغيب هو الغيب المطلق الذي غاب عنك وعن غيرك ، والذي قال الله تعالى عنه: {عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ . .} [الجن: 27] .
والشهادة: يعني المشهود ، لكن ما دام الحق سبحانه يعلم الغيب ، فمِنْ باب أَوْلَى يعلم المشهود ، فلماذا ذكر الشهادة هنا؟ قالوا: المعنى: يعلم الغيب الذي غيِّب عني ، ويعلم الشهادة لغيري .
ومن ناحية أخرى: ما دام أن الله تعالى غيْب مستتر عنا ، وهناك كوْن ظاهر ، فربما ظن البعض أن المستتر الغيب لا يعلم إلا الغيب ، فأراد - سبحانه وتعالى - أن يؤكد على هذه المسألة ، فهو سبحانه غيب ، لكن يعلم الغيب والشهادة .
ونرى من الناس مَنْ يحاول أن يهتك ستار الغيب ، ويجتهد في أن يكشف ما استتر عنه ، فيذهب إلى العرافين والمنجِّمين وأمثالهم ، وهو لا يدري أن الغيب من أعظم نِعَم الله على خَلْقه ، فالغيب هو علة إعمار الكون ، وبه يتم التعامل بين الناس ، ذلك لأن الإنسان ابن أغيار ، كثير التقلُّب ، ولو علم كل منا وكُشِف له ما عند أخيه لتقاطع الناس ، وما انتفع بعضهم ببعض .
لذلك يقولون: لو تكاشفتم ما تدافنتم .