لذلك يقول تعالى لعيسى عليه السلام: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله . .} [المائدة: 116] .
فيقول عيسى: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب} [المائدة: 116] .
نعم ، الله تعالى يعلم ما قال عبده ونبيه عيسى ، لكن يريد أنْ يقر عليهم بأنه كاره لقولهم هذه الكلمة .
والنبي صلى الله عليه وسلم حينما هُزِم الرومان من الفرس حزن لهزيمة الرومان ، لماذا؟ لأنهم أهل كتاب يعرفون الله ، ويعرفون البلاغ عن الله ، وإنْ كانوا كافرين به ، أما الفُرْس فكانوا مَجُوساً يعبدون النار ؛ لذلك يُطمئنه ربه بقوله: {الم * غُلِبَتِ الروم * في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون * بِنَصْرِ الله . .} [الروم: 1 - 5] .
فإنْ كانوا لا يؤمنون بمحمد ، فهم يؤمنون بربِّ محمد ، فالعصبية - إذن - لله أكبر من العصبية للرسول المبلّغ عن الله .
ثم يقول سبحانه: {سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] .
يصفون بمعنى: يكذبون ، لكن عبَّر عنه بالوصف كأن المعنى: إنْ أردت أنْ تعرف الكذب فاسمع إلى كلامهم فهو الوصف الدقيق له ، وقال في موضع آخر: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب . .} [النحل: 62] فكلامهم هو الكذب بعينه ، وهو أصدق وَصْف له ؛ لأن الكذب ما خالف الواقع ، وهم لا يقولون إلا ما خالف الواقع .
كما لو سألت: ما الحماقة؟ فأقول لك: انظر إلى تصرفات فلان ، يعني: هي الوصف الصادق للحماقة ، والترجمة الواضحة لها ، وكأنه بلغ من الوصف مَبْلَغاً يُجسِّم لك المعنى الذي تريده .