"فتركته جزر السباع ينشنه"... ومنه قوله تعالى {وتركهم فِي ظلمات} والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير، وقيل: عرض ينافي النور واشتقاقها من قولهم"ما ظلمك أن تفعل كذا"أي ما منعك وشغلك لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية. وفي جمع الظلمة وتنكيرها وإتباعها ما يدل على أنها ظلمة لا يتراءى فيها شبحان، وفي قوله"لا يبصرون"دلالة على أن الظلمة بلغت مبلغاً يبهت معها الواصفون. وكذا فِي إسقاط مفعول"لا يبصرون"وجعله من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعدٍ أصلاً. ومحل"لا يبصرون"إما جر صفة لظلمات أي لا يبصرون فيها شيئاً، وإما نصب مفعولاً ثانياً، أو حالاً من هم مثل {ويذرهم فِي طغيانهم يعمهون} [الأعراف: 186] أي حال كونهم ليسوا من أهل الأبصار. عن سعيد بن جبير: نزلت فِي اليهود وانتظارهم لخروج النبي صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلما خرج كفروا به. وكان انتظارهم له كإيقاد النار، وكفرهم به بعد ظهوره كزوال ذلك النور ثم إنه كان من المعلوم من حالهم أنهم يسمعون وينطقون ويبصرون، لكنهم شبهوا بمن إيفت مشاعرهم فقيل لهم: صم بكم عمي، حيث سدوا عن الإصاغة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن تنطق به ألسنتهم، وأن ينظروا ويستبصروا بعيونهم. وإنما قلنا: إن ما فِي الآية تشبيه لا استعارة مع أن المشبه مطوي ذكره كما هو حق الاستعارة، لأن ذلك فِي حكم المنطوق به وإلا بقي الخبر بلا مبتدأ. ومعنى"لا يرجعون"لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها تسجيلاً عليهم بالطبع، أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وإلى حيث ابتدؤا منه كيف يرجعون.
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم