ومنها أن ثقل ميزانه هناك بحسب تحمل ثقل عمل الحق فِي هذه الدار لا بحسب مجرد كثرة الأعمال، وإنما يثقل الميزان باتباع الحق والصبر عليه وبذله إذا سئل وأخذه إذا بذل كما قال الصديق فِي وصيته لعمر رضي الله عنهما: واعلم أن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار وله حق بالنهار لا يقبله بالليل. واعلم أنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وثقل ذلك عليهم ولا يستضيء به غيره ولا يمشي أحد إلا فِي نور نفسه إن كان له نور مشى فِي نوره، وإن لم يكن له نور أصلا لم ينفعه نور غيره، ولما كان المنافق فِي الدنيا قد حصل له نور ظاهر غير مستمر ولا متصل بباطنه ولا له مادة من الإيمان أعطي فِي الآخرة نورا ظاهرا لا مادة له ثم يطفأ عنه أحوج ما كان إليه. ومنها أن مشيهم على الصراط فِي السرعة والبطء بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم فِي الدنيا، فأسرع سيرا هنا أسرعهم هناك وأبطأهم هنا أبطأهم هناك، وأشدهم ثباتا على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك، ومن
خطفته كلاليب الشهوات والشبهات والبدع المضلة هنا خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير كلاليب الشهوات والشبهات والبدع فيه هاهنا، فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومخردل أي مقطع بالكلاليب مكردس فِي النار، كما أثر فيهم تلك الكلاليب فِي الدنيا جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد، والمقصود أن الله تبارك وتعالى ضرب لعباده المثلين المائي والناري فِي سورة البقرة وفي سورة الرعد وفي سورة النور لما تضمن المثلان من الحياة والإضاءة، فالمؤمن حي القلب مستنيره، والكافر والمنافق ميت
القلب مظلمه، وقال الله تعالى {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس} الآية، وقال تعالى {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ، وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ، وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ} .