ومعنى {نَفَشَتْ ...} [الأنبياء: 78] نقول: نفش الشيء أي: أخذ حَجْماً فوق حَجْمه ، كما لو أخذتَ مثلاً قطعة من الخبز أو البقسماط ووضعتَها في لبن أو ماء ، تلاحظ أنها تنتفش ويزداد حجمها نقول: انتفشت ، كما نقول لمن يأخذ حجماً أكثر من حجمه:"أنت نافش ريشك".
وقوله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] أي مراقبين .
يقول الحق سبحانه: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا ...} .
فداود وسليمان - عليهما السلام - نبيان ، لكل منهما مكانته ، وقد أعطاهما الله حُكْماً وعلماً ، ومع ذلك اختلف قولهما في هذه القضية ، فما توصَّل إليه سليمان لا يقدح في عِلْم داود ، ولا يطعن في حُكْمه .
وما أشبه حُكْم كُلٍّ من داود وسليمان بمحكمة درجة أولى ، ومحكمة درجة ثانية ، ومحكمة النقْض ، ومحكمة الاستئناف ، وإياك أن تظن أن محكمة الاستئناف حين تردُّ قضاء درجة أولى أنها تطعن فيها .
فهذا مثل قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ...} [الأنبياء: 79] فجاء بحكْم غير ما حكَم به أبوه ؛ لذلك فالقاضي الابتدائي قد يحكم في قضية ، ويتم تأجيلها إلى أنْ يترقى إلى قاضي استئناف ، فيقرأ نفس القضية لكن بنظرة أخرى ، فيأتي حُكْمه غير الأول .
ثم يقول تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ والطير ...} [الأنبياء: 79] حينما جمع السياق القرآني بين داود وسليمان أراد أنْ يُبيِّن لنا طَرفاً مِمَّا وهبهما الله ، فقوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ...} [الأنبياء: 79] مظهر من مظاهر امتيازه ، وهنا يُبيِّن مَيْزةً لداود عليه السلام: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ والطير ...} [الأنبياء: 79] .