والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص. وأن منهم من يفهم في الآية حكماً أو حكمين. ومنهم من يفهم منها عشرة أحكام أو أكثر من ذلك. ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره. وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به ، فيفهم من اقترانه به قدراً زائداً على ذلك اللفظ بمفرده.
وهذا باب عجيب من فهم القرآن ، لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم ، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به: كما فهم ابن عباس من قوله تعالى: {حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} [الأحقاف: 15] مع قوله: {والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] أن المرأة قد تلد لستة أشهر.. إلى آخر كلامه رحمه الله.
وإنما أكثرنا في هذه المباحث من نقل كلام ابن القيم رحمه الله كما رأيت. لأنه جاء فيها بما لم يأت به من تقدمه ولا من تأخر عنه تغمده الله برحمته الواسعة ، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً. وقد تركنا كثيراً من نفائس كلامه في هذه المواضيع خشية الإطالة الكثيرة.
المسألة السابعة
اعلم أن استهزاء الظاهرية وسخريتهم بالأئمة المجتهدين رحمهم الله ، ودعواهم أن قياساتهم متناقضة ينقض بعضها بعضاً ، وأن ذلك دليل على أنها كلها باطلة وليست من الدين في شيء إذا تأمل فيه المنصف العارف وجد الأئمة رحمهم الله أقرب في أغلب ذلك إلى الصواب ، والعمل بما دلت عليه النصوص من الظاهرية الساخرين المستهزئين.
وسنضرب لك بعض الأمثلة لذلك لتستدل به على غيره.