قالوا: وقد أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب وعلينا بعدهم: ألا نقول على الله إلا بالحق. فلو كانت هذه الأقيسة المتعارضة المتناقضة التي نيقض بعضها بعضاً بحيث لا يدري الناظر فيها أيها الصواب حقاً لكانت متفقة بصدق بعضها بعضاً كالنسة التي يصدق بعضها بعضاً ، وقال تعالى: {وَيُحِقُّ الله الحق بِكَلِمَاتِهِ} [يونس: 82] لا بآرائنا ولا مقاييسنا ، وقال: {والله يَقُولُ الحق وَهُوَ يَهْدِي السبيل} [الأحزاب: 4] فما لم يقله سبحانه ولا هدى إليه فليس من الحق ، قوال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ} [القصص: 50] فقسم الأمور إلى قسمين لا ثالث لهما: اتباع لما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ، واتباع الهوى.
قالوا: والرسول صلى الله عليه وسلم لم يدع أمته إلى القياس قط ، بل قد صح عنه أنّه أنكر على عمر وأسامة محض القياس في شأن الحلتين اللتين أرسل بهما إليهما فلبسها أسامة قياساً للبس على التملك والانتفاع والبيع ، وكسوتها لغيره ، وردها عمر قياساً لتملكها على لبسها. فأسامة أباح ، وعمر حرم قياساً. فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحد من القياسين. وقال لعمر:"إنما بَعَيْتُ بِهَا إِلَيْك لِتَسْتمتِعَ بِهَا"وقال لأسامة:"إِني لم أَبْعَث إِلَيْك بِها لِتَلْبِسَهَا ولكن بَعَثتها إِلَيْك لتشقها خُمُراً لِنِسائِك"، والنَّبي صلى الله عليه وسلم إنما تقدم إليهم في الحرير بالنص على تحريم لبسه فقط. لقاسا قياساً أخطأ فيه. فأحدهما قاس اللبس على الملك ، وعمر قاس التملك على اللبس ، والنَّبي صلى الله عليه وسلم بين أن ما حرمه من اللبس لا يتعدى إلى غيره ، وما أباحه من التملك لا يتعدى إلى اللبس.