وقال في آخر كلامه: قالوا فهذا بعض ما اشتمل عليه القرآن من التمثيل والقياس ، والجمع والفرق ، واعتبار العلل والمعاني وارتباطها بأحكامها تأثيراً واستدلالاً. قالوا: وقد ضرب الله سبحانه الأمثال ، وصرفها قدراً وشرعاً ، ويقظة ومناماً ، ودل عباده على الاعتبار بذلك. وعبورهم من الشيء إلى نظيره ، واستدلالهم بالنظير على النظير. بل هذا أصل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ، ونوع من أنواع الوحي. فإنها مبنية على القياس والتمثيل ، واعتبار المعقول بالمحسوس.
ألا ترى أن الثياب في التأويل كالقمص تدل على الدين! فما كان فيها من طول أو قصر ، أو نظافة أو دنس فهو في الدين. كما أول النَّبي صلى الله عليه وسلم القميص بالدين والعلم ، والقدر المشترك بينهما أن كلا منهما يستر صاحبه ويجمله بين الناس.
ومن هذا التأويل اللبن بالفطرة لما في كل منهما من التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة ، وأن الطفل إذا خلى وفطرته لم يعدل عن اللبن. فهو مفطور على إيثاره على ما سواه ، وكذلك فطرة الإسلام التي فطر الله عليها الناس.
ومن هذا تأويل البقر بأهل الدين والخير الذين بهم عمارة الأرض ، كما أن البقر كذلك ، مع عدم شرها وكثرة خيرها ، وحاجة الأرض وأهلها إليها. ولهذا لما رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم بقراً تنحر كان ذلك نحراً في أصحابه.
ومن ذلك تأويل الزرع والحرث بالعمل. لأن العامل زارع للخير والشر ، ولا بد أن يخرج له ما بذره كما يخرج للباذر زرع ما بذره ، فالدنيا مزرعة ، والأعمال البذر ، ويوم القيامة يوم طلوع الزرع وحصاده.