ثم ذكر رحمه الله لقياس الشبه الفاسد أمثلة أخرى في الآيات الدالة على أن الكفار كذبوا الرسل بقياس الشبه حيث شبهوهم بالبشر ، وزعموا أ ، ذلك الشبه مانع من رسالتهم. كقوله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا} [هود: 27] ، وقوله تعالى عنهم: {مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ} [المؤمنون: 33] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. فالمشابهة بين الرسل وغيرهم في كون الجميع بشراً لا تقتضي المساواة بينهم في انتفاء الرسالة عنهم جميعاً ، ولما قالوا للرسل {مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} [يس: 15] أجابوهم بقولهم: {إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11] . وقياس الكفار الرسل على سائر البشر في عدم الرسالة قياس ظاهر البطلان. لأن الواقع من التخصيص والتفضيل ، وجعل بعض البشر شريفاً وبعضه دنيا وبعضه مرؤوساً وبعضه رئيساً وبعضه ملكاً. وبعضه سوقاً يبطل هذا القياس. كما أشار إليه جواب الرسل المذكور آنفاً ، يشير إليه قوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32] وهذه الأمثلة من قياس الشبه ليس فيها وصف مناسب بالذات ولا بالتبع. فلذلك كانت باطلة.
ثم ذكر ابن القيم رحمه الله: أن جميع الأمثال في القرآن كلها قياسات شبه صحيحة. لأن حقيقة المثل تشبيه شيء بشيء في حكمه ، وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد المحسوسين من الآخر واعتبار أحدهما بالآخر. ثم سرد الأمثال القرآنية ذلك فيها واحداً واحداً ، وأطال الكلام في ذلك فأجاد وأفاد.