وفي السنن: ( القضاة ثلاثة: قاضٍ في الجنة وقاضيان في النار . رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة . ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار ، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ) .
ثم بيّن سبحانه ما خص كلاًّ من داود وسليمان من كراماته ، إثر بيان كرامته العامة لهما ، بقوله: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} أي: سخرنا الجبال والطير يقدسن الله معه ، بصوت يتمثل له أو يُخْلَقُ فيها . قال ابن كثير: وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه"الزبور"وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه . وترد عليه الجبال تأويباً ، ولهذا لما مرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم على أبي موسى الأشعريّ وهو يتلو القرآن من الليل ، وكان له صوت طيّب جداً ، فوقف واستمع لقراءته وقال: ( لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود ) . قال: يا رسول الله ! لو علمت أنك تسمع لحبَّرته لك تحبيراً .
قال أبو عثمان الهنديّ: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار مثل صوت أبي موسى رضي الله عنه . انتهى .
وتقديم الجبال على الطير ، لأن تسبيحها أعجب وأدل القدرة ، وأدخل في الإعجاز ، لأنها جماد . والتذييل بقوله: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} إشارة إلى أنه ليس ببدع في جانب القدرة الإلهية ، وإن كان عند المخاطبين عجيباً . وهذه الآية كقوله تعالى في سورة ص: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} [صّ: 17 - 19] .