قال ابن كثير: وهذا الذي قاله شريح شبيه بما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث الليث بن سعد عن الزهري عن حرام بن محيّصة . أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطاً . فأفسدت فيه . فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الحوائط ، حفظها بالنهار . وما أفسد المواشي بالليل ضامن على أهلها . وقد عُلّل هذا الحديث . وروى ابن أبي حاتم أن إياس بن معاوية ، لما استقضى أتاه الحسن ، فبكى . فقال: ما يبكيك ؟ قال: يا أبا سعيد بلغني أن القضاة رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار . ورجل مال به الهوى فهو في النار . ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة . فقال الحسن البصريّ: إن فيما قصّ الله من نبأ داود وسليمان عليهما السلام والأنبياء ، حكماً يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم . قال الله تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} [78] الآية . فأثنى الله على سليمان ، ولم يذمّ داود .
ثم قال يعني الحسن: إن الله اتخذ على الحكماء ثلاثاً: لا يشتروا به ثمناً قليلاً . ولا يتبعوا فيه الهوى . ولا يخشوا فيه أحداً . ثم تلا: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [صّ: 26] ، وقال: {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 44] ، وقال: {وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 41] .
ثم قال ابن كثير: وقد ثبت في صحيح البخاري عن عَمْرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران . وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ) فهذا الحديث يردّ نصّاً ما توهمه إياس من أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ فهو في النار .