الثاني: دلت هذه الآية على جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام . وهو مذهب الجمهور . ومنعه بعضهم . ولا مسند له . لأن قضاء داود لو كان بوحي لما أوثر قضاء ابنه سليمان عليه . ومما يدل على وقوعه دلالة ظاهرة قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43] ، فعاتبه على ما وقع منه . ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه . ومنه ما صح عنه صلوات الله عليه من قوله: ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدْي ) ومثل ذلك لا يكون فيما عمله بالوحي ، ونظائر ذلك كثيرة في الكتاب والسنة . وأيضاً ، فالاستنباط أرفع درجات العلماء . فوجب أن يكون للرسول فيه مدخل . وإلا لكان كل واحد من آحاد المجتهدين أفضل منه في هذا الباب .
قال الرازي: إذا غلب على ظن نبيّ أن الحكم في الأصل معلل بمعنى ، ثم علم أو ظن قيام ذلك معنى في صورة أخرى ، فلا بد وأن يغلب على ظنه أن حكم الله تعالى في هذه الصورة مثل ما في الأصل . وعنده مقدمة يقينية ، وهي أن مخالفة حكم الله تعالى سبب لاستحقاق العقاب ، فيتولد من هاتين المقدمتين ظن استحقاق العقاب لمخالفة هذا الحكم المظنون . وعند هذا ، إما أن يقدم على الفعل والترك معاً ، وهو محال ، لاستحالة الجمع بين النقيضين . أو يتركهما وهو محال ، لاستحالة الخلّو عن النقيضين . أو يرجح المرجوح على الراجح وهو باطل ببديهة العقل ، أو يرجح الراجح على المرجوح ، وذلك هو العمل بالقياس - وهذه النكتة هي التي عليها التعويل في العمل بالقياس . وهي قائمة أيضاً في حق الأنبياء عليهم السلام . انتهى .