قوله:(والإِضرابان عن الأمر بالسؤال على الترتيب، فإنه عن المعرض الغافل عن
الشيء بعيد وعن المعتقد لنقيضه أبعد)وما ذكرناه مماشاة مع من ذهب إلَى أن الإضراب
من مقدر. قوله فإنه أي السؤال من المعرض أفرده لكون الْمُرَاد الجنس. قوله الغافل عن
الشيء أي عن تفكره بعيد. قوله وعن المعتقد لنقيضه بعد فيكون بل للترقي من البعيد إلَى
الأبعد، وإنَّمَا قال لنقيضه لأن الإضراب الثاني وهو (أم لهم آلهة) مناف ليكون الحافظ هُوَ الله
تَعَالَى فإن منع آلهة لحفظها مع أن المسئول عنه هُوَ الرحمن فـ [حِينَئِذٍ] الأمر بالسؤال [يضرب] عنه
إذ السؤال عن ذلك أبعد.
قوله: (اسْتئْنَاف بإبطال ما اعتقدوه) اسْتئْنَاف أي اسْتئْنَاف معاني بإبطال ما اعتقدوه من أن
آلهتهم يكلؤهم فيكون هذا الاسْتئْنَاف [بمنزلة] الدليل عَلَى الْإنْسَان الْمَذْكُور كما أوضحناه آنفًا.
قوله: (فإن من لا يقدر على نصر نفسه ولا يصحبه نصر من الله فكيف ينصر غيره) فإن
ما لا يقدر أَشَارَ إلَى أن التَّعْبير بـ لا يستطيعون أبلغ من لا ينصرون، والتَّعْبير بـ (ما) إشَارَة إلَى
كونها جمادًا والتَّعْبير عنها بصيغَة العقلاء لزعمهم أنها آلهة. قوله فَكَيْفَ ينصر غيره فيثبت
عدم نصره بطَريق برهاني، ولهذا كان ما اخْتيرَ في النظم أبلغ من لا يستطيعون غيرهم فيكون
كالدليل بملاحظة هذا اللازم.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: والإضرابان من الأمر بالسؤال عَلَى الترتيب. أي الإضراب الأول وهو قوله:(بَلْ هُمْ
عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ)والثاني هُوَ (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا) فإن أم فيه بمعنى
بل واقعان عن الأمر بالسؤال وهو (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ) عَلَى ترتيب مراتب البعد في
السؤال عن الكالئ. فإن السؤال من المعرض العاقل عن الشيء بعيد فاستبعد هذا بالإضراب الأول
والسؤال عن الشيء من المعتقد [لنقيضه] أبعد فاستبعد هذا بالإضراب الثاني وجه كونه أبعد من
الأول لأن قلب الغافل عن الشيء خال عن صورة ذلك الشيء لكنه قابل لأن ترتسم هي فيه بأن
ينبه عليه أو يعلمه معلم أو يستدل هُوَ ينظر عليه والمعتقد بنقيض الشيء غير خال قلبه بل هُوَ
مشغول بصورة نقيضه فهو غير قابل لأن ترتسم فيه صورة عين ذلك الشيء ولذلك قَالُوا البلاهة
أقرب إلَى الخلاص من فطانة بتراء.
قوله: اسْتئْنَاف بإبطال ما اعتقدوه. أي هذا اسْتئْنَاف كلام وقع جوابًا لسؤال من سبب الحكم
المنفي الذي دل عليه الاسْتفْهَام الْإنْسَاني في قوله: (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا) .
وذلك الحكم هُوَ ليس لهم آلهة دوننا فكأنَّ سائلًا قال: لأي شيء لا يصلح ما اعتقدوه آلهة دون الله
للألوهية؟ فأجيب بأن عدم صلاحيتهم للألوهية لعجزهم وعدم استطاعتهم نصر أنفسهم والعاجز لا يكون
إلهًا فهو برهان قاطع لبطلان ما اعتقدوه من وجود الآلهة دون الله تَعَالَى.