ثخانة الطين وشدته، فالطين بما هو طين لازم موضعه وسلالته منه متسللة عنه،
فذلك المسمى: العجل؛ لسبقه الطين، فوصف الإنسان بما كان عنه لشبهه به في
استعجال ما هو كائن وإن كان عليه، وهو أيضًا الصلصال، وهو من بعض أسمائه،
واتصل معنى قوله هذا بوعيد قوله الذي قبله: (وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ(36)
الذي أظهره في سورة الفرقان.
[قوله: (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا(42) ]
يقول - عز وجل -: سأريكم آياتي على وعيدي الذي أنذرتكموه فلا تستعجلون، لذلك قالوا:
(مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) .
يقول عزَّ من قائل: (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ
وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ ... (39) .
نظم بذلك قوله الحقْ (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ ...(42)
أي: من يحفظكم بالليل والنهار، حفظ الرحمن - عزَّ جلاله - إلى
مخلوقاته سارٍ منه كسريان الماء المصبوب إلى مفيضه، وهذا كقوله - جلَّ جلالُه -:(مَنْ كَانَ
يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)المعنى إلى آخره، وسيأتي
ذكره في موضعه إن شاء الله.
وقد كان ينبغي بواجب الحق أن يستصحب شكره وذكره اوحمده على
نحو استصحابه به حفظه وموالاته علينا شكرًا له وحمدًا واستسلامًا وإيمانًا وخوفًا
ورجاءً وحبًّا وودًّا، لهذا وما يشبهه قال: (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا ...(43) . بل آلهتهم الضعفاء(لَا يَسْتَطِيعُونَ
نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ)يعني: المألوهين المتعبدين لتلك الآلهة (مِنَّا يُصْحَبُونَ)
إنما الصحبة لأهل التقوى والإيمان والعمل بطاعة الله، كما قال - عز
من قائل: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ(128) .
يقول الله - جلَّ من قائل:"إني لأطلع على قلب عبدي فأجد الغالب عليه"