ويكشف كتاب الله النقاب عما يندفع إليه الإنسان من العجلة وعدم التأني في كثير من المواقف والتصرفات، بدلا من الأناة والتثبت في تحديد الوسائل والغايات، حتى إذا ما أنذر بعقاب إلهي آجل، تحدى القدرة الإلهية في أن تنزل به ذلك العقاب حالا وفي العاجل، كأن قدرة الله ينبغي أن تكون طوع يديه، وينسى أنها لو واجهت تحديه بتحد مثله لأبادته وقضت عليه، وذلك قوله تعالى هنا: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . ونفس المعنى ورد في قوله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11] ، وقوله تعالى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} [يونس: 11] .
ويصور كتاب الله للكافرين والشاكين بكل دقة ووضوح ما ينتظرهم يوم القيامة من الأهوال والمفاجآت، مما ستذهب نفوسهم عليه حسرات، فيقول الحق سبحانه وتعالى: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} .
ويصف كتاب الله ما يكون عليه الطغاة الظالمون، الغافلون
عن مجرى سنن الله في الأرض، وأنه قد يمهل الظالمين، حتى إذا ما حان مصرعهم لم يفلتهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وذلك قوله تعالى هنا: {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} . والنقص من أطرافها يصدق بالنقص من الأموال والأنفس والثمرات، كما يصدق بالاستئصال والإبادة، والاستعباد وفقدان الحريات، وهكذا يصبح الطاغية مستضعفا، وينقلب الغالب مغلوبا. ومن ذلك أيضا تقلص اليابسة والخضرة أمام زحف البحار والصحارى.