(لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(23)
أي أنه لَا رقيب عليه فيما يفعل حتى يُسأل؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الإله وحده، ولأنه خالق الوجود كله، فلا يسأله مخلوق خلقه؛ لأن ذلك قلب للأوضاع العقلية، ولأنه سبحانه لَا يخطئ، والمخطئ هو الذي يُسأل عن خطئه، والله تعالى فوق كل خطإ، ولأنه الكامل واجب الوجود المطلق وكل من دونه ناقص قد يحسن، وربما لَا يحسن، وربما يخطئ، وربما لَا يخطئ، فالرقابة من الله تعالى عليه؛ ولذا قال تعالى (وَهُمْ يُسْأَلُونَ) والضمير يعود إلى المشركين، فهم يسألون عما يقولون وعما يفعلون وعما ينكرون وعما يفسدون، وفي ذلك تهديد لهم، وإنذار بأنهم محاسبون على كل ما يكون منهم من شرك، والله أعلم.
قال تعالى:
(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ(24)
أم هنا كالسابقة للإضراب والاستفهام، وهو إضراب انتقالي من اتخاذهم آلهة ليس لها قدرة في شيء، وأنه لو كان التعدد لكان الفساد. انتقل من هذا بالإضراب إلى بيان أن اتخاذ شريك لله تعالى لَا يؤيده العقل بل يخالفه وينكره، وكل دعوى لابد لها من دليل، ودليلها نقلي أو عقلي، فأين الدليل وقد طالبهم النص السامي بالبرهان.
والاستفهام الذي تتضمنه"أم"لإنكار الواقع أي لتوبيخهم على اتخاذهم آلهة غير الله تعالى، و (مِن دُونِهِ) يعني غيره مع قيام الدليل العقلي على أن ذلك لا يجوز بدليل التمانع في قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ومع هذا التوبيخ طالبهم الله تعالى بأن يأتوا ببرهان على صحة ما يدعون، وما يفتاتون، فأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يطالبهم بالبرهان: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) وكانت هذه المطالبة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لإفحامهم ولبيان عجزهم عن أي دليل، وأي مبرر معقول أو غير معقول، وإلا فكيف يستطيع العاقل أن يجد دليلا أو مبررا يبرر به عبادته لحجر لَا ينفع ولا يضر، أو لإنسان خلقه الله تعالى كما خلق كل شيء.