(لطيفة)
سر قوله تعالى: {مِن الأَرْضِ} هو التحقير، أي: تحقير الأصنام بأنها أرضية سفلية. وجوز إرادة التخصيص. أي: الآلهة التي من جنس الأرض. لأنها إما أن تنحت من بعض الحجارة أو تعمل من بعض جواهر الأرض. وإنما خصص الإنكار بها، لأن ما هو أرضيّ مصنوع بأيديهم كيف يدعي ألوهيته؟ ثم بيّن تعالى بطلان تعدد الآلهة بإقامة البرهان على انتفائه، بل على استحالته، بقوله سبحانه:
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا} أي: يتصرف في السماوات والأرض: {آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ} أي: غيره: {لَفَسَدَتَا} أي: لبطلتا بما فيهما جميعاً، واختل نظامهما المشاهد، كما قال تعالى في سورة المؤمنون: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91] ، قال أبو السعود: وحيث انتفى التالي، علم انتفاء المقدم قطعاً. بيان الملازمة؛ أن الإلهية مستلزمة للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق تغييراً وتبديلاً، وإيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة. فبقاؤهما على ما هما عليه إما بتأثير كل منها، وهو محال لاستحالة وقوع المعلول المعين بعلل متعددة. وإما بتأثير واحد منها، فالبواقي بمعزل من الإلهية قطعاً، واعلم أن جعل التالي فسادهما بعد وجودهما، لما أنه اعتبر في المقدم تعداد الآلهة فيهما. وإلا فالبرهان يقضي باستحالة التعدد على الإطلاق فإنه لو تعدد الإله، فإن توافق الكل في المراد، تطاردت عليه القدر، وإن تخالفت تعاوقت. فلا يوجد موجوداً أصلاً. وحيث انتفاء التالي تعين انتفاء المقدم. انتهى.