روى ابن أبي الدُّنيا في"كتاب الموت"عن الحسن قال: إن الله عز وجل إذا توفي المؤمن ببلاد غربته لم يعذبه رحمة لغربته، وأمر الملائكة فبكته لغيبة بواكيه عنه.
56 -ومنها: حضور جنائز الصالحين، وحملها، وتشييعها:
روى الإِمام أحمد في"الزُّهد"، والبيهقي في"شعب الإيمان"عن أبي الجلد: أن داود عليه السَّلام قال في مسألته: إلهي! فما جزاء من شيع الجنائز ابتغاء مرضاتك؟ قال الله: جزاؤه أن تشيعه الملائكة يوم يموت إلى قبره، وأن أصلِّيَ على روحه في الأرواح.
وروى البيهقي في"الدَّلائل"عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه:"تَحَرَّكَ لَهُ"
الْعَرْشُ، وَشَيَّعَ جَنازَتَهُ سَبْعُوْنَ ألفَ مَلَكٍ""
وروى ابن سعد، عن محمود بن لَبِيد - رضي الله عنه: أن القوم قالوا: يا رسول الله! ما حَمَلْنا ميتًا أخف علينا من سعد؟ قال:"ما يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَخِفَّ عَلَيْكُمْ وَقَدْ هَبَطَ مِنَ الْمَلائِكَةِ كَذا وَكَذا، لَمْ يَهْبِطُوْا قَطُّ قَبْلَ يَوْمِهِمْ، قَدْ حَمَلُوْهُ مَعَكُمْ".
وعن الحسن رحمه الله تعالى قال: لما مات ابن معاذ - وكان رجلًا جسيماً، جزلاً - جعل المنافقون يقولون: لم نر رجلًا أخف منه، وقالوا: تدرون لم ذاك؟ لمحكمه في بني قريظة، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال:"وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَده لَقَدْ كانَتِ الْمَلائِكَةُ تَحْمِلُ سَرِيْرَه".
وروى هذا الحديث الحاكم بنحوه من طريق قتادة، عن أنس - رضي الله عنه -.
قلت: كذلك يطمس الله على قلوب المنافقين حتى يروا الأمور الحسنةَ قبيحةً؛ فإن خفة جنازة سعد رضي الله تعالى عنه إنما كانت لكرامته، فزعموا أنها كانت بخلاف ذلك، وأنها عقوبة له على حكمه في بني قريظة مع أنه موافق في حكمه الله تعالى.
وأين نظر هؤلاء من نظر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه الكرام - رضي الله عنهم - الذين
منهم حسان بن ثابت - رضي الله تعالى عنه، القائل - يبكي سعداً، ويرثيه رضي الله تعالى عنهما: من الطويل