واللعب وإنْ كان مُباحاً في فترة ما قبل البلوغ ، إنما القلوب يجب أن تُربَّى على أنْ تلتفت إلى الله عز وجل الخالق الرازق في هذه الفترة المبكرة من حياة الإنسان ، وهذه مهمة الأب ، فإنْ أتى لولده بطعام أو شراب يقول أمام الولد الصغير: ربنا رزقنا به . وهكذا في كل أمور الحياة يسند الأمر إلى الله وينبه الولد الصغير: قل: بسم الله قل: الحمد لله .
وهكذا تُربِّى في الولد مواجيده على اليقين بالله القوي ، وإنْ كان الولد لا يراه فإنه يرى آثاره ونِعَمه .
ويرى أباه الذي يتعهده ، ويأتي له بكل شيء لا يتصيّد المجد لنٌفسه ، إنما ينسب كل شيء إلى الله .
فأبوه - وهو المثل الأعلى له - يزحزح هذه المسائل عنه وينسبها لله ، فيتربى وجدانُ الولد على الإيمان . فإذا لم يُرَبَّ الولد هذه التربية تسلل إلى نفسه اللَّهْو واللَّعِب .
وسبق أن قلنا: إن كُلَّ فعل من الأفعال لا بُدَّ أنْ ينشأ عن مَوْجدة من المواجيد ، ولا ينشأ الفعل دون مَوجدة إلا فعل المجنون ، والقلوب هي التي تُوجِّه الجوارح ، ولو لم تكُنْ القلوب لاهية ما لعبت الجوارح .
لذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - حينما دخل على رجل يعبث بذقنه هو يصلي - كما يفعل الكثيرون - قال: لو خشعَ قلبُ هذا لخشعتْ جوارحه . فحركة الجوارح دليل على انشغال القلب؟ لذلك يقول تعالى بعدها: {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النجوى ...} .
ويا ليت كلاً منهم يفعل هذا الفعل في نفسه ، إنما يتآمرون جميعاً على الحق ليفسدوه باللعب واللهو {وَأَسَرُّواْ النجوى ...} [الأنبياء: 3] أي: يتناجَوْن في الإثم ، ويُسِرُّونه يعني: يجعلونه سِراً . والنَّجْوى أو التناجي: خَفْضِ الصوت ، كما جاء في قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ ...} [المجادلة: 7] .