فلا تظنوا أنكم مستورون عن الله ، أو تُخْفون عنه شيئاً . وتلاحظ في ارتقاءات العدد في هذه الآية أنها لم تذكر اثنين ، فبدأت من العدد ثلاثة ؛ لأنه عادةً لا تكون النجوى بين الاثنين ، إنما تكون بين الثلاثة ، حيث يتناجى اثنان حتى لا يسمع الثالث .
كما أنها لم تذكر الأعداد بالترتيب ، فلم تَقُلْ مثلاً: ولا أربعة إلا هو خامسهم ؛ ذلك لأن الآية لا تقصد الترتيب العددي ، إنما تعطيك مجرد أمثلة ونماذج من الأعداد .
وكذلك في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول ...} [المجادلة: 8] .
وما داموا يُخْفون كلاماً ويُسِرُّونه ، فلا بُدَّ أنه مخالف للفطرة السليمة ، ولو كان حقّاً لَقالُوه علانية ، فالنجْوى دليلُ اتهامهم في العقل ، وفي القلب ، وفي كل شيء .
أما قوله تعالى في شأن النبي صلى الله عليه وسلم: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرسول فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ...} [المجادلة: 12] .
وهل كان الصحابة يُحدِّثون الرسول سرَّاً؟ لا بل هنا إشارة أخرى أوضحها قوله تعالى: {لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ...} [النور: 63] .
فالمراد ألاّ نرفع أصواتنا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم كما يحدث مِنّا حين يُكلِّم بعضنا بعضاً ، بل نُكلِّمه كلام المهيب ، ونلتزم معه الأدب والخشوع .
وقوله تعالى: {وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ . .} [الأنبياء: 3] هل (الذين) هنا هي الفاعل لأسرُّوا؟ القاعدة النحوية: إذا تقدم أكلوا على الفاعل لقال: وأَسَرَّ الذين ظلموا ، إنما جاء الفاعل (واو الجماعة) ثم الاسم الموصول (الذين) بعدها فليست هي الفاعل ، وليست هذه من لغات العرب الصحيحة .