الثاني: أنّ كل نبي من الأنبياء قبله إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق، وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33] ولا يقال: أليس أنه قال: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة: 14] . وقال: {لِّيُعَذِّبَ الله المنافقين} [الأحزاب: 73] لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح فيه.
الثالث: أنه - عليه السلام - كان في نهاية حسن الخلق قال تعالى: {وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] «وقيل له - عليه السلام -: ادع على المشركين. فقال: «إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذاباً «» وقال في رواية حذيفة: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل سببته أو لعنته فاجعلها اللهم عليه صلاة إلى يوم القيامة» .
الرابع: قال عبد الرحمن بن يزيد: {إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} يعني المؤمنين خاصة.
{قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) }
المعنى: رب اقض بيني وبين قومي بالحق أي: بالعذاب، والحق هاهنا العذاب، نظيره:
{رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق} فلا جرم حكم الله تعالى عليهم بالقتل يوم بدر.
وقال أهل المعاني: رب احكم بحكمك الحق، فحذف الحكم وأقيم الحق مقامه.
والله يحكم بالحق طلب أو لم يطلب.
ومعنى الطلب: ظهور الرغبة من الطالب للحق.
وقيل: المعنى: افصل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع، وهو أن تنصرني عليهم.
{وَرَبُّنَا الرحمن المستعان على مَا تَصِفُونَ} من الكذب والباطل.
وقيل: كانوا يطمعون أن يكون لهم الشوكة والغلبة، فكذب الله ظنونهم، وخيب آمالهم، ونصر رسوله والمؤمنين. انتهى انتهى {اللباب في علوم الكتاب} ...