قال ابن الخطيب: ذلك بعيد، لأنَّ برد النار لم يحصل منها وإنما حصل من جهة الله تعالى فهو القادر على الحر والبرد، فلا يجوز أن يقال: كان البرد يعظم لولا قوله: «سَلاَماً» .
{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) }
«فَإِنْ قِيلَ» : قد قال في موضع آخر {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً} [ص: 36] والرخاء: اللين؟
قيل: كانت الريح تحت أمره، إن أراد أن تشتد اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت.
«فَإِنْ قِيلَ» : قال في داود: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال} ، وقال في حق سليمان {وَلِسُلَيْمَانَ الريح} فذكر في حق داود بكلمة مع وفي حق سليمان باللام وراعى هذا الترتيب أيضاً في قوله {ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ} [سبأ: 10] وقال: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ} [ص: 36] فما الفائدة في تخصيص داود بلفظ (مع) وسليمان باللام؟
فالجواب: يحتمل أنّ الجبل لما اشتغل بالتسبيح حصل له نوع شرف فما أضيف بلام التمليك، وأما الريح فلم يصدر منه إلا ما يجري مجرى الخدمة فلا جرم أضيف إلى سليمان بلام التمليك وهذا جواب إقناعي.
{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) }
«فَإِنْ قِيلَ» : أليس أن الشكوى تقدح في كونه صابراً؟
فالجَوابُ: قال سفيان بن عيينة: ولو شكى إلى الله فإنه لا يعد ذلك جزعاً إذا كان في شكواه راضياً بقضاء الله إذ ليس من شرطه استحلاء البلاء، ألم تسمع قول يعقوب: {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله} [يوسف: 86] .
قوله: {وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين}