ومن هنا يعلم أن تمكين الكلاب من النساء قديم ، لم تبتدعه بعض عواهر زماننا ، وأن آية التبرّج الآتية من سورة الأحزاب 32 في ج 3 تشير إلى أن كل ما أحدثه أهل هذا القرن من الخلاعة قديم أيضا ، وهذا من معجزات (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ ءٍ) الآية 18 من سورة الأنعام المارة ، وليعلم أن أحكام داود عليه السلام في هذه القصص الأربع على فرض صحة الثلاث ، لأن الأولى ذكرها اللّه تعالى فلا قول فيها وكلها موافقة لظاهر الشرع وأحكام سليمان كذلك ، وإنما جوزها بحكمه ، لأن قضية الحرث صارت كالصلح بينهما لرضائهما بحكمه فيها ، وقضية الزنى قبيل ظهور كذب الشهادة إذ يقتضي الحكم بمثلها ، أما قضية الولد فإنما قضى بها داود للكبيرة لعدم وجود بينة لدى الصغيرة ، وكان الولد بيد الكبيرة فحكم باعتبارها ذات اليد والصغيرة خارجة والحكم الشرعي أن البينة على الخارج والقول لذي اليد كما أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ، وكان عمل سليمان من قبيل الاختبار ، لأنه لما رأى الكبيرة وافقت على قسمه شقين عرف أن لا شفقة لها عليه ، فلو كان ابنها لما رضيت بموته ، ولو أن الصغيرة وافقت على قسمه لما حكم لها به ولأبقاه لدى الكبيرة باعتبار يدها عليه ، ولهذا حكم به للصغيرة حكم موافق للواقع مصدره الحذق والفطنة والاجتهاد ، تأمل.