وفي الآية الأخرى: {الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مهادا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الزخرف: 10] .
ثم قال سبحانه ممتناً على عباده: {وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء} هو ماء المطر.
قيل: إلى هنا انتهى كلام موسى ، وما بعده هو: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّن نبات شتى} من كلام الله سبحانه.
وقيل: هو من الكلام المحكيّ عن موسى معطوف على أنزل ، وإنما التفت إلى التكلم للتنبيه إلى ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة.
ونوقش بأن هذا خلاف الظاهر مع استلزامه فوت الالتفات لعدم اتحاد المتكلم ، ويجاب عنه: بأن الكلام كله محكيّ عن واحد هو موسى ، والحاكي للجميع هو الله سبحانه والمعنى: فأخرجنا بذلك الماء بسبب الحرث والمعالجة أزواجاً ، أي ضروباً وأشباهاً من أصناف النبات المختلفة.
وقوله {من نبات} صفة ل {أزواجاً} أو بيان له ، وكذا {شتى} صفة أخرى له ، أي متفرّقة جمع شتيت.
وقال الأخفش: التقدير: أزواجاً شتى من نبات.
قال: وقد يكون النبات شتى ، فيجوز أن يكون شتى {نعتاً} ل {أزواجاً} ويجوز أن يكون نعتاً للنبات ، يقال: أمر شَتٌّ أي متفرّق ، وشتّ الأمر شتاً وشتاتاً تفرّق ، واستشتّ مثله ، والشتيت المتفرّق.
قال رؤبة:
جاءت معاً وأطَّرقتْ شتيتاً... وجملة: {كُلُواْ وارعوا} في محل نصب على الحال بتقدير القول ، أي قائلين لهم ذلك ، والأمر للإباحة ، يقال: رعت الماشية الكلأ ورعاها صاحبها رعاية ، أي أسامها وسرّحها يجيء لازماً ومتعدّياً.
والإشارة بقوله: {إِنَّ فِى ذلك لآيات لأُوْلِى النهي} إلى ما تقدّم ذكره في هذه الآيات ، والنهي: العقول جمع نهية ، وخص ذوي النهي ؛ لأنهم الذين يُنتهى إلى رأيهم.