وهذا المطلب من موسى عليه السلام يشير لأدب عال من آداب النبوة ، وقد اختار الله موسى للرسالة ، فلماذا يشرك معه أخاه في هذه المهمة؟ إذن: موسى لا يريد أنْ يفخَر بالرسالة ، أو يتعالى بها ، أو يطغى ، إنما يريد أن يقوم بها على أكمل وجه ؛ لذلك يحاول أنْ يُكمل ما فيه من نقص بأخيه ليُعينه على تبليغ رسالته ، ولو أراد الاستئثار بالرسالة ما طلب هذا الطلب .
وهذا نموذج يجب أنْ يُحتذَى ، فإنْ كُلِّفت بأمر فوق طاقتك فلا غبارَ عليك أن تستعين عليه بغيرك ، فهذا دليل على إخلاصك للمهمة التي كُلِّفت بها .
{هَارُونَ أَخِي (30) }
فاختار أخاه هارون ليعينه في مهمة الرسالة .
ثم أوضح العلّةَ في ذلك ، فقال في آية آخرى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} [القصص: 34] .
وهكذا يتكامل موسى وهارون ويُعوِّض كل منهم النقص في أخيه . ويُقال: إن هارون عليه السلام كان يمتاز على موسى في أمور آخرى ، فكان به لِينٌ وحِلْم ، وكان موسى حاداً سريع الغضب ، فكان هارون للِّين ، وموسى للشدة .
ويتضح هذا حينما عاد موسى إلى قومه ، وقد تركهم في صُحْبة أخيه هارون فعبدوا العجل فاشتد غضبه ، كما قال تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} [الأعراف: 150] .
تم احتدّ على أخيه ، وجذبه من ذَقْنه ، وظهرتْ حِدَّته . وقَسْوته ، فماذا قال هارون؟ {قَالَ ابن أُمَّ} [الأعراف: 150] ليستعطفه ويُذكِّره برأفة الأم وحنانها {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} [طه: 94] ، كأنه يقول لأخيه: اضربني كما تريد ، لكن لا تروعني في لحيتي ، وفي رأسي .