وقد تعرّض قوم لتعداد منافع العصا ، فذكروا من ذلك أشياء منها قول بعض العرب: عصاي أركزها لصلاتي ، وأعدّها لعداتي ، وأسوق بها دابتي ، وأقوى بها على سفري ، وأعتمد بها في مشيتي ، ليتسع خطوي ، وأثب بها النهر ، وتؤمنني العثر ، وألقي عليها كسائي ، فتقيني الحرّ ، وتدفيني من القرّ ، وتدني إليّ ما بعد مني وهي تحمل سفرتي ، وعلاقة إداوتي ، أعصي بها عند الضراب ، وأقرع بها الأبواب ، وأقي بها عقور الكلاب ، وتنوب عن الرمح في الطعان ، وعن السيف عند منازلة الأقران ، ورثتها عن أبي وأورثها بعدي بنيّ.
انتهى.
وقد وقفت على مصنف في مجلد لطيف في منافع العصا لبعض المتأخرين ، وذكر فيه أخباراً وأشعاراً وفوائد لطيفة ونكتاً رشيقة.
وقد جمع الله سبحانه لموسى في عصاه من البراهين العظام والآيات الجسام ما أمن به من كيد السحرة ومعرّة المعاندين ، واتخذها سليمان لخطبته وموعظته وطول صلاته ، وكان ابن مسعود صاحب عصا النبيّ صلى الله عليه وسلم وعنزته ، وكان يخطب بالقضيب وكذلك الخلفاء من بعده ، وكان عادة العرب العرباء أخذ العصا والاعتماد عليها عند الكلام ، وفي المحافل والخطب.
{قَالَ أَلْقِهَا يا موسى} هذه جملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر ، أمره سبحانه بإلقائها ليريه ما جعل له فيها من المعجزة الظاهرة {فألقاها} موسى على الأرض {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى} وذلك بقلب الله سبحانه لأوصافها وأعراضها حتى صارت حية تسعى ، أي تمشي بسرعة وخفة ، قيل: كانت عصا ذات شعبتين فصار الشعبتان فما وباقيها جسم حية ، تنتقل من مكان إلى مكان وتلتقم الحجارة مع عظم جرمها وفظاعة منظرها ، فلما رآها كذلك خاف وفزع وولى مدبراً ولم يعقب ، فعند ذلك {قَالَ} سبحانه: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى} قال الأخفش والزجاج: التقدير: إلى سيرتها ، مثل
{واختار موسى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] .