فكيف ستقابل أهل الطاعات ، وتطمع في شفاعتهم بعدما كان منك؟ فإنْ لم تكُنْ طائعاً فلا أقلَّ من أنْ تحب الطائعين وتتمسح بهم ، فهذه في حَدِّ ذاتها حسنةٌ لك ترجو نفعها يوم القيامة .
وما أشبه الشفاعة في الآخرة بما حدث بيننا من شفاعة في الدنيا ، فحين يستعصي عليك قضاءُ مصلحة يقولون لك: اذهب إلى فلان وسوف يقضيها لك . وفعلاً يذهب معك فلان هذا ، ويقضي لك حاجتك ، فلماذا قُضِيتْ على يديه هو؟ لا بُد أن له عند صاحب الحاجة هذه أياديَ لا يستطيع معها أنْ يرد له طلباً .
إذن: لا بُدَّ لمن يشفع أن يكون له رصيد من الطاعات يسمح له بالشفاعة ، وإذا تأملت لوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مَنْ قدّم رصيداً إيمانياً وسع تكليفه وتكليف أمته ، ألم يخبر عنه ربه بقوله: {يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 61] لذلك وجبت له الشفاعة ، وأُذِن له فيها .
والحق تبارك وتعالى لا يغفل الرصيد في خَلقه أبداً ، فكل ما قدَّمت من طاعات فوق ما كلَّفك الله به مُدَّخَر لك ، حتى إن الإنسان إذا اتُّهِم ظلماً ، وعُوقِب على عمل لم يرتكبه فإن الله يدَّخرها له ويستر عليه ما ارتكبه فعلاً فلا يُعاقب عليه .
فالعهد إذن في قوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً} [مريم: 87] أن تدخل مع ربك في مقام الإحسان ، ولا يدخل هذا المقام إلا مَنْ أدَّى ما عليه من تكليف ، وإلا فكيف تكون مُحسِناً وأنت مٌقصِّر في مقام الإيمان؟
وأقرأ إنْ شئت قول الله تعالى: {إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} [الذاريات: 1516] ما العلة؟ {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ * وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم} [الذاريات: 1619] .