إذن: فقوله تعالى: {وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً} [مريم: 86] تهكُّم ، كما تقول للولد المهمل الذي أخفق في الامتحان: مبروك عليك السقوط .
ثم يقول تعالى: {لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة إِلاَّ مَنِ اتخذ}
الكافر حين يباشر العذاب يطمع أول ما يطمع في أن يشفعَ له مبعوده ، ويُخرجه ممَّا هو فيه لكِنْ هيهات ، ألم تقرأ قول الحق تبارك وتعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القيامة وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ الناس كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 56] .
لذلك يقول تعالى عن هؤلاء يوم القيامة: {لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة} [مريم: 87] لأن الشفاعة لا تكون إلا لمن أخذ الإذن بها {إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً} [مريم: 87] .
والعهد الذي تأخذه على الله بالشفاعة أنْ تُقدِّم من الحسنات ما يسع تكاليفك أنت ، ثم تزيد عليها ما يؤهلُك لأن تشفع للآخرين ، والخير لا يضيع عند الله ، فما زاد عن التكليف فهو في رصيدك في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، ولا يهمل مثقال ذرة .
وعلى المؤمن مهما كان مُسْرفاً على نفسه ساعةَ يرى إنساناً مُقبلاً على الله مُستزيداً من الطاعات أنْ يدعوَ له بالمزيد ، وأن يفرح به ؛ لأن فائض طاعاته لعله يعود عليك ، ولعلك تحتاج شفاعته في يوم من الأيام . أما مَنْ يحلو لهم الاستهزاء والسخرية من أهل الطاعات ، كما أخبر الحق تبارك وتعالى:
{إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ} [المطفيين: 2932] .