لكن يأتي الرد: {فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: 90] ونلاحظ أنه تعالى قبل أن يقول: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: 90] التي ستنجب هذا الولد ، قال: {وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى} [الأنبياء: 90] فصلاح الزوجَة ليس شرطاً في تحقُّق هذه البشرى وحدوث هذه الهبة .
وهنا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة الإلهية التي لا يُعجِزها شيء ، فهو سبحانه قادر على إصلاح هذه الزوجة العاقر ، فالصنعة الإلهية لا تقف عند حَدٍّ ، كما لو تعطَّل عندك أحد الأجهزة مثلاً فذهبتَ به إلى الكهربائي لإصلاحه فوجد التلفَ به كبيراً ، فينصحك بترْكه وشراء آخر جديد ، فلا حيلةَ في إصلاحه .
لذلك أصلح الله تعالى لزكريا زوجه حتى لا نظنَّ أن يحيى جاء بطريقة أخرى ، والزوجة ما تزال على حالها .
ثم يقول الحق: {قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ}
(قَالَ) أي: الحق تبارك وتعالى {كذلك قَالَ رَبُّكَ} [مريم: 9] أي: أنه تعالى قال ذلك وقضى به ، فلا تناقش في هذه المسألة ، فنحن أعلَم بك وما أنتَ فيه من كِبَر ، وأن زوجتك عاقر ، ومع ذلك سأهبك الولد .
وقوله تعالى: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم: 9] وفي آية أخرى يقول في آية البعث: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27] فلا تظن أن الأمر بالنسبة لله تعالى فيه شيء هَيِّن وشيء أَهْوَن ، وشيء شاقّ ، فالمراد بهذه الألفاظ تقريب المعنى إلى أذهاننا .
والحق سبحانه يخاطبنا على كلامنا نحن وعلى منطقنا ، فالخَلْق من موجود أهون في نظرنا من الخلق من غير موجود ، كما قال الحق سبحانه تعالى: {أَفَعَيِينَا بالخلق الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15] .