وقوله: {بِغُلاَمٍ اسمه يحيى} [مريم: 7] أي: وسماه أيضاً . ونحن نعلم أن للبشر اختيارات في وَضْع الأسماء للمسميات ، ولهم الحرية في ذلك ، فواحدة تُسمى ولدها (حرنكش) هي حرة ، والأخرى تسمى ابنتها الزنجية (قمر) هي أيضاً حرة .
إلا أن الناس حين يُسمُّون يتمنون في المسمّى مواصفات تَسرُّ النفس وتقرُّ العين ، فحين نُسمِّي سعيداً تفاؤلاً بأن يكون سعيداً فعلاً ، والاسم وُضِع للدلالة على المسمى ، لكن ، أيملك هذا المتفائل أن يأتي المسمى على وَفْق ما يحب ويتمنى؟ لا ، لا يملك ذلك ولا يضمنه ؛ لأن هناك قوة أعلى منه تتحكم في هذه المسألة ، وقد يأتي المسمَّى على غير مُراده .
أما إذا كان الذي سمّى هو الله تعالى فلابد أن يتحقق الاسم في المسمَّى ، وينطبق عليه ، ولابُدَّ أنْ يتحقَّق مراده تعالى في مَنْ سَمَّاه ، وقد سَمَّى الحق تبارك وتعالى ابن زكريا يحيى فلا بُدَّ أن تنطبق عليه هذه الصفة ، ويحيى فعل ضده يموت ، إذن: فهو سبحانه القادر على أن يُحييه ، لكن يحييه إلى متى؟ وكم عاماً؟ الحياة هنا والعيش يتحقق ولو بمتوسط الأعمار مثلاً ، فقد أحياه وتحققت فيه صفة الحياة .
ولذلك استدل أهل المعرفة من تسميته يحيى على أن ابن زكريا سيموت شهيداً ليظل حياً كما سماه الله وقد كان .
وقوله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} [مريم: 7] السميُّ: اختلف العلماء في معناها فقالوا: تأتي بمعنى: نظير أو مثيل أو شبيه وإما سمياً يعني: اسمه كاسمه .
ومن ذلك قوله تعالى: {رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فاعبده واصطبر لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} [مريم: 65] فقالوا: سمياً هنا تحمل المعنيين: هل تعلم له نظيراً أو شبيهاً ؛ لأنه سبحانه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] .