{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) }
أخبر عن تلاقي قلوبهم وتلاقي وجوههم.
وفي الصحيحين:"أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم عليه السلام ستون ذراعا في السماء"
والرواية"على خَلْق"بفتح الخاء وسكون اللام، والأخلاق كما تكون جمعا للخُلق بالضم فهي جمع للخَلق بالفتح، والمراد تساويهم في الطول والعرض والسن وإن تفاوتوا في الحسن والجمال، ولهذا فسره بقوله على صورة أبيهم آدم عليه السلام ستون ذراعا في السماء.
وأما أخلاقهم وقلوبهم ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة:"أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلا يَمْتَخِطُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ فِيهَا، آنِيَتُهُمْ وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمْ مِنَ الأَلُوَّةِ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ، لا اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ وَلا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ , يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا".
وقد تقدم وفيه اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة وعشية وكذلك وصف الله سبحانه وتعالى نساءهم بإنهن أتراب أي في سن واحد ليس فيهن العجائز والشواب وفي هذا الطول والعرض والسن من الحكمة ما لا يخفى فأنه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذات، لأنه أكمل سن القوة عظم الآت اللذة، وباجتماع الأمرين يكون كمال اللذة وقوتها بحيث يصل في اليوم الواحد إلى مائة عذراء كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ولا يخفى التناسب الذي بين هذا الطول والعرض فإنه لو زاد أحدهما على الآخر فات الاعتدال، وتناسب الخلقة يصير طولا مع دقة أو غلظا مع قصر وكلاهما غير مناسب. والله أعلم. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...