ولْنَذكر لك بعض الأمثلة لهذا الوزن والتقدير؛ لتستبين القليل من عظمة قدرة الله ورَحْمته وحكمته، والله الموفِّق والهادي سواء السبيل، هذا الْهواء الذي يُحيط بالكرة الأرضيَّة، والذي هو من ألزم الأشياء لحياة كلِّ كائن حي على سطح هذه الكرة أو في جوف الماء لا تراه العين، ولكنَّا نحسُّ أثره، ليس هذا الهواء بسيطًا، ولكنَّه مزيجٌ من عدَّة عناصر وموادَّ، أهَمُّها عناصر الأكسجين والنيتروجين وغاز ثانِي أكسيد الكربون، قد اتَّحَدَت هذه الغازات وامتزَجَتْ ببعضها بنسبة معيَّنة، هي واحد من الأكسجين، وأربعة من النيتروجين، وثلاثة من الألف من ثاني أكسيد الكربون تقريبًا، وليست هذه النسبة التي يتكوَّن بها الهواء عبثًا؛ فتعالى ربُّنا الحكيم العليم أن يَخلق شيئًا عبثًا، بل عنصر الأكسجين هو العنصر الأساسيُّ في عملية التنفُّس والاحتراق، ولولاه ما عاش كائن حيٌّ على سطح الأرض، ولا كانت هذه النار التي جعَلَها الله تَذْكرة ومتاعًا للمُقْوِين، والتي لا غِنى للإنسان عنها، أمَّا غاز النيتروجين فإنَّه ليس إلاَّ ملطِّفًا لفِعْل الأكسجين وحِدَّته؛ حتى لا يسرع ويَقْوى في الاحتراق إلى حدٍّ لا تستطيعه طاقة الإنسان والحيوان، يستنشق الإنسان والحيوان والنَّبات هذا الهواء، فيحرق غاز الأكسجين الموادَّ الغذائيَّة الموجودة داخل الكائن الحيِّ، فتنطلق بِهذا الاحتراق الطاقةُ اللاَّزمة لكلِّ مَجهود يقوم به الكائن من عقليَّة وجسميَّة، ونتيجة لِهذا الاحتراق يخرج ثاني أكسيد الكربون، وحيث إنَّ الأكسجين يُستهلك في عمليات التنفُّس والاحتراق، وينطلق نتيجة لِذَلك غازُ ثاني أكسيد الكربون، فكان لا بدَّ للنِّسبة التي يتركَّب بها الهواء أن تتغيَّر، ولكنْ ثبَتَ علميًّا أنَّ هذه النِّسبة لا تتغيَّر في أيِّ بقعة من بقاع الأرض إلاَّ تغيُّرًا طفيفًا لا يكاد يُذْكَر.