11 -قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} قال ابن عباس: يُعَزِّي نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويُصَبِّره، يريد كما استَهزأ بك قومك بعد طول إكرامهم لك، قال أهل المعاني: وإنما حمل الأمم على الاستهزاء استبعاد ما دُعوا إليه، والاستيحاش منه والاستنكار له، حتى توهموا أنه مما لا يكون ولا يصح مع مخالفته لِما كان عليه الأسلاف؛ وذلك أنهم تعجلوا الراحة بإسقاط النظرِ عن أنفسهم، والتفكرِ فيما أورده الرسول من المعجزات ليدلهم على الحق، وفي هذه الآية دليل على أن كلَّ واحدٍ من الرسل كان مبتلى بطائفة من المشركين، وما خلصت لرسولٍ دعوةً من الاستهزاء والتكبر.
12 -قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} ، السَلْكُ إدخال الشيء في الشيء ، كإدخال الخيط في المخيط، والرمح في المطعون.
وقال الليث: الله يَسْلُكُ الكفارَ في جهنم؛ أي يدخلهم فيها، ومن هذا قوله {مَا سَلَكَكُمْ} [المدثر: 42] وكل شيء أدخلته في شيء فقد سَلَكْتَه فيه، قال عديّ:
وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ... وَقَدْ سَلَكوكَ في يَوْم عَصِيبِ
وذكر أبو عبيدة وأبو عبيد: سلَكْتُه وأسلكتُه بمعنى، وينشد بيت الهذلي:
حتَّى إذا أسْلَكُوهُم في قُتاَئِدهِم ... شَلاًّ كما تَطْرُدُ الجَمَّالَةُ الشُّرُدَا
بالوجهين، وقد حقق ابن عباس هذا التفسير فقال: يريد يسلكُ الشركَ في قلوب المكذبين، كما يسلك الخرزة في الخيط.
وقال أبو إسحاق: أي كما فُعِلَ بالمجرمين الذين استهزأوا بمن تقدَّم مِنَ الرُّسُلِ، كذلك نَسلُكُ الضلالَ في قلوب المجرمين.
واختلفوا في المُكنّى في قوله: {نَسْلُكُهُ} ؛ فذكر ابن عباس: الشرك، وهو قول الحسن، وذكر الزجاج: الضلال. وقال الربيع: يعني [الاستهزاء. وقال الفراء: يعني التكذيب بالعذاب.