قال صاحب النظم: الهاء كناية عن الاستهزاء] ودلَّ عليه الفعل؛ كقولهم: من كذب كان شرًا له، والفعل يدل على المصدر؛ كقوله: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] أي: الشكر، فأضمره لدلالة الفعل عليه، وذكرنا مثل هذا كثيرًا، وأما ما ذكر المفسرون من الشرك والتكذيب والضلال فكلُّه داخل في الاستهزاء، وهو من معاني الاستهزاء.
وقوله تعالى: {كَذَلِكَ} إيماء بهذا التشبيه إلى ما كان منهم من الكفر والاستهزاء، قال: وهذه أبين آية في ثبوت القدر لمن أذعن للحق ولم يعاند.
وقال أصحابنا: أضاف الله تعالى إلى نفسه سَلْكَ الكفر في قلوب الكفار، وحَسُن ذلك منه، فمن آمن بالقرآن فليستحسنه، وأراد بالمجرمين المشركين الذين كانوا يستهزئون بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
13 -قوله تعالى: {لَا يُؤْمِنُونَ} هذا عند الزجاج ابتداء كلام؛ كأن الله تعالى أخبر عن هؤلاء المشركين أنهم لا يؤمنون.
وقال الجرجاني: قوله: {لَا يُؤْمِنُونَ} رفع موضعه نصب علي تأويل أن لا يؤمنوا به، و (أن) الخفيفة تضمر، فإذا أضمرت لم تعمل؛ كقوله تعالى: {تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} [الزمر: 64] فعلى هذا قوله: {لَا يُؤْمِنُونَ} تفسير للكناية في قوله: {نَسْلُكُهُ} ؛ كأنه قيل: نسلك في قلوب المجرمين ألاّ يؤمنوا به، فلما كفّ ذِكْرُ (أن) عاد الفعل إلى الرفع، وهذا معنى قول الفراء؛ لأنه قال: يجعل في قلوبهم ألاَّ يؤمنوا، والكناية في (به) تعود إلى الذكر؛ الذي هو القرآن في قول ابن عباس، وفي قول غيره يجوز أن تعود إلى الرسول، ونظير هاتين الآيتين في المعنى واللفظ قوله في الشعراء: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ} [الشعراء: 200، 201] .
وقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} ، المفسرون على أن هذا تهديد لكفار مكة؛ يقول: قد مضت سنة الله بإهلاك من كذَّبَ الرسولَ في القرون الماضية.