ويأتي بعدها بالمقابل لها: {وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 14] .
فكما جاء بمقابل الأشقياء ؛ لا بُدّ أن يفتح القلوب لتنعم بسعادة مصير وجزاء الذين سُعِدوا بالإيمان .
لذلك يقول الحق سبحانه: {وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ ...} .
وهنا جاء الفعل ، ويمكن نسبته إلى ثلاث وجهاتٍ . ولكل جهة مَلْحظ ؛ فمرّة يُسنَد الفعل لله سبحانه ، ومرّة يُنسب الفعل للملائكة الذين يتلقوْن الأمر من الله بإدخال المؤمنين الجنة ؛ ومرّة للمؤمنين الذين يدخلون الجنة بإذن الله .
فالله أدخلهم إذْناً ؛ والملائكة المُوكَّلون فتحوا أبواب الجنة لهم ؛ والمؤمنون دخلوا بالفعل .
وهكذا يكون لكُلَّ مَلْحظ .
وهناك قراءة أخرى للآية توضح ذلك:
"وأُدْخِلُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة"والمتكلم هنا هو الله . ونلحظ أن الله قال هنا:
{وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ ...} [إبراهيم: 23] .
لكي تضم كلمة"أدخل"أنه سبحانه أذن بدخولهم ؛ لأنه قال في نفس الآية:
{بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} [إبراهيم: 23] .
وأن الملائكة المُكلّفين بذلك فتحوا لهم أبوابها . والمؤمنون دخلوها كل ذلك بإذن الله .
ونلحظ أن كُلَّ الكلام هنا عن الجنات ؛ فما هي الجنات؟
ونقول: إن الجنة في أصل اللغة هي السّتْر ، ومنها الجنون أي: سَتْر العقل ، والمادة هي: الجيم والنون ، والجنة تستر مَنْ فيها بما فيها من أشجار كثيرة بحيث مَنْ يمشي فيها لا يظهر ؛ لأن أشجارها تستره .
أو: أن مَنْ يدخلها يجلس فيها ولا يراه أحد ؛ لأن كل خير فيها لا يُلجئه أن يخرج منها .
وتُطلق الجنات على ما في الدنيا أيضاً ؛ والحق سبحانه هو القائل: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ...} [البقرة: 266] .