وكان الشيطان من قبل اليوم المعلوم - وهو اليوم الآخر - يندسُّ ويُوسِوس وينزغ ؛ أما في ذلك اليوم فقد برز كل شيء من إنس وجن وكل الكائنات أمام الواحد القهار ، ولم يَعُدْ هناك ما يَخْفى عن العين .
وهذا ما خدعوا به أنفسهم ، وظنُّوا أنهم قادرون على أن يُخفوا ما فعلوه عن أعْيُن الله ؛ ولذلك نجد الحديث القدسي يقول:
"يا بني آدم ، إنْ كنتم تعتقدون أَنِّي لا أراكم ، فالخَلل في إيمانكم ، وإن كنتم تعتقدون أَنِّي أراكم فَلِم جَعَلْتموني أهونَ الناظرين إليكم".
وأنت في حياتك اليومية لا تجد مَنْ يسرق من آخر وجهاً لوجه: ولا أحد يحرق بيت أحدٍ أمام عينيه ؛ فإنْ كنتم يا معشر البشر لا تفعلون ذلك مع بعضكم البعض ؛ فكيف تفعلون ذلك مع خالقكم ؛ فتعصونه .
وإنْ شككتُم أنه لا يراكم فالخلل في إيمانكم ؛ وإنْ كنتم تعتقدون أنه يراكم فلا تجعلوه أهونَ الناظرين إليكم ، لأنه لو نظر إليك إنسان فأنت لا تجرؤ على أن تصنع له ما يكرهه .
ولذلك يقول الشيطان معترفاً ومُقِراً بأن الظالمين لهم عذاب أليم ، والظلم في القمة هو الشرك بالله: {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .
وحين نقرأ ذلك إما أنْ نأخذه على أنه إقرار من الشيطان ؛ أو نفهمه على أن الشيطان قد قال:
إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ .
ويقول الحق سبحانه بعدها تلك القضية العامة:
{إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22] .
فبعد أن تكلم سبحانه عن بروز الخَلْق والكائنات ؛ ثم الحوار بين الضعفاء والسادة ؛ ثم الحوار بين الشيطان وبين أهل الكفر والمعصية ؛ يأتي بالقضية النهائية في الحكم:
{إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22] .
والمناسبات توحي بمقابلاتها ؛ لتكون النفس مُتشوِّقة ومُتقبِّلة لهذا المقابل ؛ مثل قول الحق سبحانه: {إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار: 13] .